يقول الإمام القباب:"وحقيقة مراعاة الخلاف هو إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه"، وعرفه الرصاع بقوله:"رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم قوله المخالف"، وهو عند ابن عبد السلام:"إعطاء كل واحد من دليلي القولين حكمه مع وجود التعارض"، وعرفه الشاطبي بأنه:"إعطاء كل واحد منهما أي دليلي القولين ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه"، أما ابن عرفة فعرفه بأنه:"إعمال دليل في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر"، وجميع هذه التعريفات تدور حول جوهر قاعدة مراعاة الخلاف أي ترجيح دليل المخالف بناءً على ما تقتضيه المصلحة والنظر في المقاصد ومآلات الأفعال.
* وصورته: أن يكون للمجتهد رأي في فعل معين ولغيره فيه رأي مخالف ويقع الفعل على خلاف قول ذلك المجتهد فيراعي رأي مخالفه ويعدل عن موجبات رأيه ومقتضياته في بعض الآثار التي تترتب على ذلك الفعل:
-مثال مراعاة الخلاف:
بعض الأنكحة الفاسدة المختلف في فسخها كنكاح الشغار، فقد ذهب الإمام مالك إلى فساد نكاح الشغار ووجوب فسخ هذا النكاح سواء أكان قبل الدخول أو بعد الدخول [1] ، ولكن مع ثبوت الإرث إذا مات أحدهما مع أن الأصل العام عند مالك هو أنه لا توارث ما دام الفسخ ثابتا ولكنه راعى خلاف القائلين بعدم فسخه، فأخذ بدليل المخالف في لازم مدلوله وهو ثبوت الإرث وأخذ بدليله الذي يترتب عليه الفسخ وبذلك جمع بين أمرين: إعمال دليله في الحكم، وإعمال دليل مخالفه في لازم مدلوله، وقد اعتد مالك بالقول المعارض لرأيه فيما يتعلق ببعض الآثار المترتبة على نكاح الشغار مع قوله بفساده ووجوب فسخه؛ فقد راعى الخلاف الواقع فيه فقال
(1) لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنه نهى عن نكاح الشغار"حيث إن النهي يدل على فساد المنهي عنه، بينما ذهب أبو حنيفة إلى أن نكاح الشّغار يعتبر نكاحا صحيحا لأن النهي لم يكن عن ذات النكاح وإنما لاقترانه بشرط فاسد، إذ لا يصح أن تكون المرأة مهرا لامرأة أخرى، ولذا فإن الشرط هو وحده الذي يبطل، أما عقد النكاح نفسه فإنه يصح ويثبت فيه مهر المثل وتترتب عليه جميع الآثار المترتبة على العقد الصحيح، قال الكاساني:"هذا النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا، حيث شرط فيه أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع لا يصلح مهرا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة كما إذا تزوجها على أن يطلقها وعلى أن ينقلها من منزلها ونحو ذلك". وأخذ المالكية بأصل قاعدتهم في مراعاة الخلاف فقالوا: إن الشرط المناقض لمقتضى العقد كشرط ألا يقسم لها أو لا ينفق عليها، فهذا النوع من الشروط الفاسدة يؤدي إلى خلل في العقد فيفسخ النكاح لأجله قبل البناء، أما إن وقع البناء فيثبت العقد ولكن يلغى الشرط.