الصفحة 157 من 167

دلالة هذه النصوص صريحة على أن الشريعة جاءت بمراعاة المصالح؛ فقد علمنا بطريق الاستقراء أن الله سبحانه وتعالى إنما بعث الأنبياء لتحصيل مصالح العباد في الدارين، يقول العز بن عبد السلام:"ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان، بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قُربانها، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص، فإن فَهْمَ نفس الشرع يوجب ذلك".

* من الإجماع:

قال الإمام الشاطبي في (الاعتصام) :"والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول، وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعد ذلك قدحا على ما نحن فيه"اهـ.

عَمِل الصحابة -رضوان الله عليهم- بمطلق المصلحة دون نكير ولا معارض، ومن غير أن يتقدم لها ما يشهد لها بالاعتبار ولم يرد بها نص خاص من كتاب ولا سنة ولا نظير لها يقاس عليه، وهي مع ذلك وصف مناسب لتشريع حكم معين تنبني عليه مصلحة موافقة لقواعد الشريعة ومقاصدها: ككتابة المصحف وجمعه على حرف واحد وتنقيطه، واتخاذ السجن، وضرب السكة، وهدم الأوقاف لتوسعة المسجد النبوي، وترك تقسيم أرض السواد، وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الصدقات، وقتل الجماعة بالواحد، وتضمين الصناع، واستخلاف أبي بكر الصديق لعمر -رضي الله عنهما- وتجديد الآذان يوم الجمعة وغير ذلك، فهذا إجماع سكوتي على العمل بالمصالح المرسلة.

قال صاحب (المراقي) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت