المجوس وغير ذلك كثير، وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله -عز وجل- باتباع نبيه - صلى الله عليه وسلم - من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية، وقد استدل المانعون مطلقا بما ثبت عن عمر -رضي الله عنه- في قصة فاطمة بنت قيس حيث لم يجعل لها سكنى ولا نفقة كما في حديثها الصحيح، فقال عمر: كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة؟ يعني قوله: {أسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] ، وأجيب عن ذلك بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية؛ فإنه لم يقل:"كيف نخصص عموم كتاب ربنا بخبر آحادي"، بل قال:"كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة؟"، ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ قال عمر:"لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت"، فأفاد هذا أن عمر إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت، ولو علم بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته؛ لم يتردد في العمل بما روته"اهـ."
وخالف بعض المتكلمين والرافضة فقالوا: خبر الواحد لا يجوز العمل به، وقالوا الشرع منع منه فإن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وأجيبوا بأن ذلك عام مخصوص لما ثبت في الشريعة من العمل بأخبار الآحاد كما أن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت، إلا أنه بعدما يتأكد ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب العمل به ولا يجوز تركه؛ فالظن إنما كان في الطريق الموصل إليه، وبعد التأكد من ثبوته صار يقينا، وخبر الواحد عند الجمهور أصل بنفسه متى ثبت فيعمل به وجوبا ولا يحتاج إلى غيره، يقول الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) :"والاجتهاد في خبر الواحد إنما هو في ثبوت صدق الراوي، فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن؛ لزم المصير إلى خبره ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى الاجتهاد فيه"اهـ.
واختلفوا: هل وجوب العمل به ثابت بالشرع أو بالعقل والشرع؟
استدل أصحاب المذهب الأول بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ، أي فتثبتوا حتى يتبين لكم صدق ما قال، فموجب التثبت كون المخبر فاسقا، فمفهومه أن خبر الصالح يعمل به بلا تثبت، وكذلك