الصفحة 147 من 167

يقول الحافظ ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) :"وأما أصول العلم فالكتاب والسنة، وتنقسم السنة قسمين أحدهما تنقله الكافة عن الكافة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هنالك خلاف، ومن رد إجم‍اعهم فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون العدول وسلوكه غير سبيل جميعهم، والضرب الثاني من السنة أخبار الآحاد الثقات الأثبات العدول والخبر الصحيح الإسناد المتصل منها يوجب العمل عند جماعة الأمة الذين هم الحجة والقدوة؛ ولذلك مرسل السالم الثقة العدل يوجب العمل أيضا والحكم عن جماعة منهم ومنهم من يقول: إن خبر الواحد العدل يوجب العلم والعمل جميعا، وللكلام في ذلك موضع غير هذا". اهـ، [1] وقال في (التمهيد) :"وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرطا ودينا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة والجماعة".

وقال أبو الوليد الباجي:"وأما خبر الآحاد فما قصر عن التواتر، وذلك لا يقع به العلم، وإنما يغلب على ظن السامع له صحته لثقة المخبر به لأن المخبر -وإن كان ثقة- يجوز عليه الغلط والسهو، كالشاهد، وقال محمد بن خويز منداد: يقع العلم بخبر الواحد، والأول عليه جميع الفقهاء".

وحول تخصيص المتواتر بالآحاد يقول الإمام الشوكاني:

"واحتج ابن المسمعاني على الجواز بإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: {يُوصَيكُمُ الله فِي أوْلادِكُمْ} [النساء: 11] بقوله - صلى الله عليه وسلم: (إنا معشر الأنبياء لا نورث) ، وخصوا قوله: {فاقْتُلُوا المشْرِكِينَ} بخبر عبد الرحمن بن عوف في"

(1) المقصود بقولهم لا يوجب العلم أي لا يوجب القطع واليقين، ما لم يحتف بالقرائن، فإن احتف خبر الآحاد بالقرائن فقد يقتضي العلم كالحديث الذي يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، وما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم من أخبار الآحاد، وما تلقته الأمة بالقبول، فقد احتف به من القرائن ما يقتضي الثقة به حتى يكون كالمتواتر، فيحصل به العلم أي اليقين، وهذا العلم نظري لا ضروري، أي قطعنا بكونه يقيني بعد نظر واستدلال لأن الآحاد يُبحث في عدالة رواته وضبطهم، فالمقصود بالقرائن عدالة الرواة وثقتهم وتلقي أهل العلم له؛ فأهل العلم بالحديث عندهم يقين بما قد يكون ورد بخبر الواحد بسبب ما يحصل لهم من قرائن تتولد لهم من معرفتهم بأحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخباره وكلامه وأفعاله، فاليقين لا يكتسب من مجرد عدد المخبرين ولكن منه ومن احتفاء القرائن وظهور صدق الخبر وصدق الناقل، وحصول اليقين بمجموع المرويات وقيام القرائن العلمية والنفسية في نفس المحدث وغير ذلك، قال الإمام العلائي في (تحقيق المراد) :"أحاديث الصحيحين لإجماع الأمة على صحتها وتلقيهم إياها بالقبول تُفيد العلم النظري، كما يفيده الخبر المحتف بالقرائن"، قال ابن القيم في (الصواعق المرسلة) :"خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إن كان دليل كذبه ظنيا، وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ولا كذبه إذا لم يقم دلال أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يُجزم به، وتارة يُجزم بصدقه جزما لا يبقي معه شك، فليس كل خبر واحد يفيد العلم ولا الظن ولا يجوز أن ينفي عن خبر الواحد أنه يحصل به العلم"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت