* مرتبته في الحجية:
الاستصحاب عند من يرى حجيته مبني على العلم أو الظن بعدم وجود الدليل المغير، فهو آخر دليل يلجأ إليه المجتهد لمعرفة حكم ما يعرض عليه ولهذا قال الفقهاء: إنه آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زوال الحكم؛ فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته؛ فالأصل عدم ثبوته، وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة، يقول ابن تيمية:"وينبغي أن هذا الدليل لا ينبغي اعتقاده والعمل به في الحال، بل بعد نوع سبر وبحث"، وقال أيضا:"فالاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة"، وقال الزركشي:"وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة"، وقال الجويني:"القائلون بأن الاستصحاب حجة قالوا: إنه متأخر عن الأدلة وهو آخر المتمسكات"، ويرجع ضعفه لكون أدنى دليل مغير يمكن أن يرجح عليه ولأنه ينبني على العلم أو الظن بعدم وجود الدليل المغير وهذا عائد إلى قوة المجتهد وسعة علمه وكثرة بحثه في أدلة الشريعة، ومعلوم أنه قد خفيت كثير من الأدلة على فقهاء الصحابة، فما ظنك بمن هو دونهم؟
لذا كان أقل الفقهاء أخذا بالاستصحاب هم المالكية لأنهم وسعوا نطاق الاستدلال حتى لم يبقوا للاستصحاب إلا دائرة ضيقة، ومثلهم الحنفية لكونهم قد وسعوا دائرة العمل بالقياس، وأكثر الظاهرية استعماله بسبب إنكارهم لدليل القياس وقد عاب عليهم ابن القيم هذا؛ إذ كيف يتركون القياس وقد شهدت له العلة ثم يحتجون بقياس بدون علة كما هي صورة الاستصحاب حيث يتركب من أصل وفرع وحكم ويخلو من العلة.
5 -أدلته:
* من القرآن:
-قول الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} ، وجه الدلالة: أنه احتجاج بعدم الدليل على نفي الحكم وهذا عين الاستصحاب.