يلزمه دليل لأن البينة على المدعي ولأنه قول على الله بغير علم ولكنه يوجب بقاء العدم حتى يوجد الدليل المغير بدليل الإجماع على حجية التمسك ببراءة الذمة أو البراءة الأصلية وهي من هذا القبيل.
4 -حجيته:
قال الناظم: (وحُجّةٌ لديه الاستصحاب .. ورأيه في ذاك لا يُعابُ)
يعني الاستصحاب حجة شرعية لدى مالك، فهو من أدلة مذهبه، (ورأيه في ذلك) أي في جعله حجة شرعية (لا يعاب) أي لا يرد ولا ينتقد عند أهل النظر الصحيح في العلم الشرعي.
الاستصحاب حجة تثبت بها الأحكام وتبنى عليه وهو طريق شرعي معتبر للتوصل إلى الحكم الشرعي سواء أكان ذلك في جانب النفي والعدم أم في جانب الإثبات والوجود، وعليه انبنت قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يقوم الدليل على خلافه) وقاعدة: (ما ثبت باليقين لا يزول بالشك) ولكنه لا يعد دليلا مستقلا ولا أصلا من أصول الاستنباط وإنما هو تقرير لحكم ثابت بدليله في الماضي يلجأ إليه المجتهد حين لا يظفر بدليل جديد مغير للحكم السابق بعد البحث والنظر في مصادر التشريع الأخرى، فيحصل له ظن بقاء الحكم السابق بدليله.
قال ابن جزي:"وهو حجة عند المالكية وأكثر الشافعية خلافا للحنفية والمتكلمين."
قال ابن القصار المالكي:"ليس لمالك -رحمه الله- في ذلك نص، ولكن مذهبه يدل عليه، لأنه احتج في أشياء كثيرة، وسئل عنها فقال: لم يفعل النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك، ولا الصحابة -رحمة الله عليهم-، وكذلك يقول: ما رأيت أحدا فعله، يدل على أن السمع إذا لم يرد بإيجاب شيء لم يجب، وكان على ما كان عليه من براءة الذمة."
والأصل في ذلك: أن الله تعالى قد احتج على عباده في العبادات بالعقل والسمع، فما كان له حكم في العقل ولم يرد سمع بخلافه فأمره موقوف على ورود السمع، فإن ورد بمثل ما كان في العقل كان مؤكدا، وإن ورد بخلافه، فقد نقل الأمر عما كان عليه وإن لم يرد سمع بشيء من ذلك، فهو على حكمه في العقل"."