الشارع لا يقر إفساد أحكامه وتعطيل مقاصده، فلا يجوز لأهل الشريعة أن يقفوا أمام هذا التحريف والانحراف دون تحريك ساكن بدعوى عدم مخالفة ظواهر الشرع، فتضيع مقاصده وغاياته تعلقا بالرسوم! والمتأمل لفقه الإمام مالك يجد فيه اعتبارًا للمآل وعنايةً بغايات المكلفين وثمرات أفعالهم ومدى موافقتها لمقاصد الشارع؛ لذا تراه يحتفي في فقهه بمبدأ سد الذرائع الراجع إلى مراعاة المصالح والنظر في مآلات الأفعال، يقول الشاطبي:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب أو لمفسدة تُدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك، وهذا الأصل يبنى عليه قواعد، منها: قاعدة سد الذرائع"، ويقول ابن القيم:"فمن سد الذرائع اعتبر المقاصد، ومن لم يسد الذرائع لم يعتبر المقاصد."
4 -مذاهب الأئمة في سد الذرائع:
* القائلون به:
وهم المالكية والحنابلة، إذ لم ينفرد الإمام مالك بالقول بسد الذارئع، يقول القرافي:"مالك لم ينفرد بذلك، بل كل أحد يقول بها، ولا خصوصية للمالكية بها، إلا من حيث زيادتهم فيها"، فسد الذرائع أصل مؤثر في استنباط الأحكام، ومنصوص عليه ومعمول به بكثرة عند المالكية تأصيلًا وتفريعًا، قال أبو الوليد الباجي:"ذهب مالك -رحمه الله- إلى المنع من الذرائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى المحظور"، ويقول القرافي:"والذريعة والوسيلة للشيء، ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة؛ منعنا من ذلك الفعل، وهو مذهب مالك -رحمه الله-"، وذهب إليه الحنابلة وبالأخص شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وفي عصرنا الحاضر أصدر مجمع الفقه الإسلامي قرارا مفاده:"أن سد الذرائع"