الصفحة 116 من 167

واصطلاحا: عرفها القرطبي بأنها:"لفظ عامّ لأنواع أسباب التخلص".

والحيل قسمان: حيل مذمومة، وحيل محمودة، وإن طغى عليها معنى الذم عند الإطلاق، يقول الراغب الأصفهاني:"وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة."

ونعني هنا الحيل المذمومة التي يقدم عليها الإنسان قاصدًا التخلص من واجب أو استحلال الحرام وركوب المحظور أو إبطال حق من الحقوق، أما الذريعة فقد لا يكون قاصدًا إلى ذلك إلا أن الشرع يسد عليه منافذ الحرام، قال ابن القيم:"وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم التناقض، والشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟!"، فالمقصد في الحيلة الوصول إلى الحرام وجعله يبدو في ظاهره جائزًا، ومن الحيل المحرمة التي يتوصل بها إلى فعل الحرام: صنيع بني إسرائيل لما حرم عليهم صيد الحيتان يوم السبت، إذ نصبوا فخاخهم للحيتان قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل، فلما انقضى السبت أخذوها، فمسخهم الله، ويقول ابن القيم في العلاقة بين سد الذرائع وإبطال الحيل:"وبالجملة فالمحرمات قسمان: مفاسد، وذرائع موصلة إليها مطلوبة الإعدام، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام."

والقربات نوعان: مصالح للعباد، وذرائع موصلة إليها، ففتح باب الذرائع في النوع الأول كسد باب الذرائع في النوع الثاني، وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة، فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم التناقض، وكيف يُظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التي جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل وطرق المكر على إسقاط واجباتها واستباحة محرماتها، والتذرع إلى حصول المفاسد التي قصدت دفعها"."

3 -الأصل الذي بني عليه سد الذرائع:

الذريعة وجه آخر من وجوه رعاية مقاصد الشارع، فهي قائمة على أن الأحكام لم تشرع إلا لتحقيق مقاصدها من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا صارت ذريعة لغير ما شرعت له وتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الأصلية؛ فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت