الصفحة 110 من 167

-ومن أنكره منهم فإنما أراد المعنى الباطل، إذ الأمة مجمعة على تحريم القول على الله بدون دليل، فيحمل إنكار بعض العلماء الاستحسان على ما كان عن محض الهوى والتشهي دون استناد إلى دليل من قبيل القول على الله بدون دليل فيكون محرما، أما الاستحسان المبني على الضوابط الشرعية فقد أخذ به علماء المذاهب الأربعة وغيرهم فإن كان مستندا إلى دليل فهو مقبول عند الكل وإن كان عن محض الهوى فهو مردود عند الكل.

فيبدو الخلاف حقيقيا للوهلة الأولى، فإذا عصم بالقيود وألحقت به الضوابط عاد خلافا لفظيا لا معنويا كما هو ظاهر.

فإن قلنا بأن الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين، فهذا هو العمدة في أبواب التزاحم والتعارض والحكومة والورود والتخصيص وقوام علم الأصول، فلا غرو إن كان الاستحسان تسعة أعشار العلم بهذا الاعتبار، أما إذا فسر بمعنى"الانقداح النفسي"فهو باطل قطعا.

قال ابن السمعاني:"أن الخلاف لفظي، فإن تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به وأن الاستحسان بالعدول عن دليل إلى دليل أقوى منه لا ينكره أحد".

وقال الشوكاني:"إن كان المراد بالاستحسان: ما دلت عليه الأصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجة به وهذا لا ننكره ونقول به، وإذا كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة فهو محظور والقول به غير سائغ".

وقال أيضا:"بمجموع ما ذكرنا: إن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة منه أصلا لأنه إن كان راجعا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجا عنها فليس من الشرع في شيء، بل هو من التقول على هذا الشريعة بما لم يكن فيها تارة، وبما يضادها أخرى".

وقال علال الفاسي:"والحقيقة أن الشافعية نظروا إلى الاستحسان كأنه رأي محض لا يستند لدليل فأنكروه، ونظر إليه الآخرون على أنه رأي ناتج عن المقارنة بين الأدلة، وترجيح بعضها على الآخر فقبلوه، وإذن فالخلاف في غير"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت