الصفحة 108 من 167

المكث في الحمام في الأولى، وقدر الماء المشروب في الثانية قبيحة عادة"."

قال ابن الأنباري:"الذي يظهر من مذهب مالك: القول بالاستحسان الذي حاصله: استعمال مسألة جزئية في مقابلة قياس كلي".

وعرفه ابن رشد:"الاستحسان الذي يكثر استعماله هو: طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع". فكأن الاستحسان علاج للغلو في القياس باستثناء بعض الجزئيات من الإطار العام الذي تندرج تحته وإدخالها تحت قواعد كلية أو مقاصد شرعية، يروى عن القاضي إياس بن معاوية أنه قال:"قيسوا للقضاء ما صلح الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا". ونقل عن أصبَغ قوله:"إن المغرِق في القياس يكاد يفارق السنة وإن الاستحسان عماد العلم"، ومن تابع دروس شرح منظومة القواعد الفقهية سيلاحظ في باب الاستثناءات وجود جزئيات كثيرة وقع استثنائها من الأصل العام ولم يجرِ عليها حكم نظائرها رفعا للحرج.

وقال الشاطبي:"وهذه تعريفات قريب بعضها من بعض، وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة البتة لأن الأدلة تقيد بعضها بعضا، ويخصص بعضها بعضا، كما في أدلة السنة مع أدلة القرآن، ولا يريد الشافعي مثل هذا أصلا، فلا حجة في تسميته استحسانا لمبتدع على حال".

-وقال محمد بن الحسن عن شيخه أبي حنيفة:"إن أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس، فإذا قال: أستحسن لم يلحق به أحد، ولقد كان يقيس ما استقام له القياس، فإذا قبح القياس استحسن".

والحنفية فيما عدا الطحاوي"تمسكوا بالقياس وبالغوا في الأخذ به، حتى أنهم جعلوه مقياسا لجميع الأحكام، سواء كانت من المنصوص عليها أم لم تكن، فإذا كان في الأمر دليل أقوى من القياس كنص من الكتاب أو السنة أو الإجماع تركوا القياس، وأخذوا بالدليل الأقوى استحسانا".

عند الحنفية غالب استعمال الاستحسان مقترن بالقياس فعرفوه بأنه:"العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه"، وهذا التعريف ضعيف كونه غير جامع ولا مانع لأنه لا يشمل أنواع الاستحسان الأخرى الثابتة بدليل آخر غير القياس كالاستحسان الثابت بالإجماع أو الضرورة ... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت