علمه بذلك، حتى صارت مجالس هؤلاء موائد يأكلون عليها أعراض ولحوم المسلمين من غير أن يجدوا في أنفسهم حرجًا مما يقولون، بل ربما اختلقوا لذلك مسوغات شرعية - في زعمهم - فضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
سادسًا: المبالغة في المدح أو الذم، فإذا أحب طائفة أو شخصًا غلا في حبه وتجاوز في مدحه حتى يثنى عليه بما ليس فيه، بل تعود مَسَاوئُه محاسنَ في نظر الهاوي ويجعله في مقام العصمة أو قريبًا منها، ولا يتقبل أي قدح فيه ولا بيان أي خطأ حصل منه وإن كان ظاهرًا ظهور الشمس في رابعة النهار ويبدأ يتأول أقواله ويفسر أفعاله بما لا يدل عليه سياق الكلام ولا ظاهر الحال فلا يكون حبه لمن أحب خالصًا لله، ولا تكون متابعته لمن تابعه لمعرفة الحق وسلوكه بل لهوى في نفسه. وفي المقابل فإن صاحب الهوى إذا أبغض جماعة أو مذهبًا أو أهل بلد أو شخصًا فإنه يبغي في بغضه ويقذع ويتعدى في ذمه بالاستطالة في قوله أو فعله حتى ربما ينسى أو يتناسى كل خير وفضيلة لمن أبغضه بل ربما عادت محاسنه مساوئَ في نظر صاحب الهوى ويرد ما معه من الحق. فيخرج عن حد الشرع في ذلك وتختل عنده الموازين حتى ربما يحب المذموم ويكره المحمود شرعًا، ويخرج عن الصراط المستقيم ومنهج أهل العدل والإيمان.
وهذا الأمر ظاهر جدًا يرى الإنسان ويقرأ ويسمع عنه كثيرًا.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله:
«وأمام من أحب شخصًا لهواه، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه أو لحاجة يقوم لها بها، أو لمال يتأكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان، وما أكثر من يدعي حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله، فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير وكيف يحب شخصًا لله من لا يكون محبًا لله، وكيف يكون محبًا لله من يكون معرضًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسبيل الله.
وما أكثر من يحب شيوخًا أو ملوكًا أو غيرهم فيتخذهم أندادًا يحبهم كحب الله» [1] .
وقال الحافظ ابن رجب: «وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا ... ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها» [2] .
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله:
«من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهيته بحسب محبة
(1) مجموع الفتاوى، 11/ 521.
(2) جامع العلوم والحكم، 3/ 226.