الْجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرأ، فقُلْت: مَا أنَا بِقَارِىء، فأخذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرأ، فَقُلْتُ: مَا أنا بقَارِىءٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) فَرَجَعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
-صلى الله عليه وسلم - على الخلوة والتعبد، حتى أشرقت عليه أنوار النبوة، ونزل عليه الوحي الصريح، يوم الاثنين السابع عشر من رمضان، فأتاهُ ملك الوحي جبريلُ عليه السلام -حقيقة لا خَيالًا- مرسلًا من ربِّ العزة، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد أَتمَّ الأربعين من عمره وتلك سنة الله في الأنبياء، لا يأْتيهم الوحي حتى يتم نضجهم الجسمي والعقلي والنفسي ببلوغ أربعين سنة.
قال الشاعر:
وَأتتْ عَلَيْهِ أرْبَعُوْنَ فَأشْرَقَتْ ... شَمسُ النُبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ
"فقال اقرأ"أي فلم يشعر إِلّا وجبريل شاخصٌ أمامَ عينيْهِ يقول له: اقرأ. قال في فيض الباري: وهذا الأمر بالقراءة من باب التلقين والتلقي، كما يقول المعلم لتَلميذه: اقرأ، ومعناه: خذْ عَنّي ما ألقيه إليك من القراءة.
"قال ما أنا بقارىء"أي كيف أستطيع القراءة وأَنا أُمي لا أقدر عليها ولا علم لي بها"قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد"أي فأمسك بي ذلك الملَكُ، وضمني ضمة شديدة، حتى بلغ مني أقصى ما تتحمله الطاقة البشرية.
وإنما فعل ذلك إيناسًا له، وتقوية لنفسه، وتنشيطًا لقلبه، على تلقي الوحي الإلهي."ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء"أي ثم أطلقني، وأمرني بالقراءة ثانيًا، فقلت: ما أنا بقارىء، وهو تأكيد للجواب الأول، ومتضمن لمعناه"فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء"أي ماذا تريد مني أن أقرأ."فأخذني"