فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 425

( أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الطَّوِيلُ . ( عَنْ أَنَسٍ ) : أَيِ ابْنِ مَالِكٍ . ( قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ . ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْضُوبًا ) : قَدْ مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْضِبْ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْإِثْبَاتِ - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - الْأَقَلَّ مِنْهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الشَّعْرَ لَمَّا كَانَ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ بِسَبَبِ وَضْعِ الْحِنَّاءِ عَلَى الرَّأْسِ لِدَفْعِ الصُّدَاعِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّطَيُّبِ سَمَّاهُ مَخْضُوبًا ، أَوْ سَمَّى مُقَدِّمَةَ الشَّيْبِ مِنَ الْحُمْرَةِ خِضَابًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ . ( قَالَ حَمَّادٌ ) : أَيِ الْمَذْكُورُ . ( وَأَخْبَرَنَا ) : بِوَاوٍ عَاطِفَةٍ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ) : أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ صَدُوقٌ ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . ( قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَخْضُوبًا ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سَلَّامٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، أَوِ ابْنُ مِسْكِينٍ عِنْدَ أَبِي نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ - ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْضُوبًا . وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ: مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ . وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، كِلَاهُمَا عَنْ سَلَّامٍ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - شَعْرًا أَحْمَرَ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ . وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ: كَانَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَثَرُ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي خَضَبَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ احْمَرَّ بَعْدَهُ لِمَا خَالَطَهُ مِنْ طِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ فَغَلَبَتْ بِهِ الصُّفْرَةُ ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْضِبْ أَصَحُّ . كَذَا وَقَالَ الَّذِي أَبْدَاهُ احْتِمَالًا قَدْ ثَبَتَ مَعْنَاهُ مَوْصُولًا إِلَى أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ ، قُلْتُ: وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّعُورِ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الْجَسَدِ إِذْ طَالَ الْعَهْدُ يَؤُولُ سَوَادُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ مِنَ التَّرْجِيحِ خِلَافُ مَا جَمَعَ بِهِ الطَّبَرِيُّ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ خَضَبَ كَابْنِ عُمَرَ حَكَى مَا شَاهَدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَنَسٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْخِضَابَ شَاهَدُوا الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ لَمَّا وَرَّاهُنَّ الدُّهْنُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ظَنُّوا أَنَّهُ خَضَبَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْضِبْ وَلَمْ يَبْلُغْ شَيْبُهُ إِلَى الْخِضَابِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ ، فَأَمَّا أَنْ يُحْكَمَ بِشُذُوذِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ رِوَايَةَ حُمَيْدٍ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَهُوَ مُدَلِّسٌ ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ [ ص: 124 ] سَمِعَهُ مِنْ ثَابِتٍ فَدَلَّسَهُ . وَمَعَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَثَابِتٍ وَقَتَادَةَ ، وَأَحَادِيثُهُمْ عَنْ أَنَسٍ فِي نَفْيِ الْخِضَابِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَهُوَ وَاحِدٌ وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلِذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَقِيبَهُ عَنْ حَمَّادٍ رَاوِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسٍ مَخْضُوبًا . إِشَارَةً إِلَى شُذُوذِ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِجَالِ مَالِكٍ ، وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لَهُ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ شَعَرَاتِهِ الْمُطَهَّرَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةِ زَوْجِ أُمِّ أَنَسٍ أَوْ عِنْدَ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَخَضَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ أَوْ أُمُّهُ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ أَنَسٍ فَرَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عِنْدَهُ ، أَوْ يُحْمَلُ رِوَايَةُ أَنَسٍ"كَانَ شَعْرُهُ مَخْضُوبًا"، عَلَى أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ . فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ حُسْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَذَا وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ إِنْكَارَ أَنَسٍ أَنَّهُ خَضَبَ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَوَافَقَ مَالِكٌ أَنَسًا فِي إِنْكَارِ الْخِضَابِ وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَبَ فِي وَقْتٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ وَلَا تَأْوِيلُهُ ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ مَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ مِيرَكُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ سَلَفًا وَخَلَفًا فِي أَنَّهُ هَلِ الْخِضَابُ أَحَبُّ أَمْ تَرْكُهُ أَوْلَى ؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ:"إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ". أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ:"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا أَوْ صَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ; وَلِهَذَا خَضَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَمَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْخِضَابِ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فَهِيَ لَهُ نُورٌ إِلَّا أَنْ يَنْتِفَهَا أَوْ يَخْضِبَهَا". هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَيْضًا وَقَالَ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ تَغَيُّرَ الشَّيْبِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَخْضِبْ عَلِيٌّ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَجَمْعٌ جَمٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ . وَجَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى الْخَضْبِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى خِلَافِهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِمَنْ يَكُونُ شَيْبُهُ مُسْتَبْشَعًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْخِضَابُ ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ ، وَلَكِنَّ الْخِضَابَ مُطْلَقًا أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ [ ص: 125 ] وَفِيهِ صِيَانَةٌ لِلشَّعْرِ عَنْ تَعَلُّلِ الْغُبَارِ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ تَرْكُ الصَّبْغِ فَالتَّرْكُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى ، انْتَهَى . وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ، ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْبَابِ الْخِضَابِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ الْخَضْبُ بِالسَّوَادِ وَالْأَفْضَلُ الْخِضَابُ بِالْحُمْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ ، وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ ، وَاسْتَحَبُّوا الْخِضَابَ بِالْحُمْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضْعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ وَرَأَسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا إِلَى آخِرِهِ . وَزَادَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ: فَذَهَبُوا بِهِ وَحَمَّرُوهُ . وَالثُّغَامَةُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ نَبَاتٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ زَهْرُهُ وَثَمَرُهُ . وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ:"إِنْ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ". أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّبْغَ بِهِمَا يَخْرُجُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ .

وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ ، فَقَالَ:"مَا أَحْسَنَ هَذَا"قَالَ فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ ، فَقَالَ:"هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ .

وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا: يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ."

وَلِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ:"مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ .

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَأَجَازَهُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ ، وَأَمَّا خَضْبُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، وَيُحَرَّمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ إِلَّا لِلتَّدَاوِي .

هَذَا وَأَوَّلُ مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ . ثُمَّ إِنَّ نَتْفَ الشَّيْبِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا:"لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ". رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ نَتْفَ الرَّجُلِ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّزْيِينِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ النَّتْفِ دُونَ الْخَضْبِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرُ الْخِلْقَةِ مِنْ أَصْلِهَا بِخِلَافِ الْخَضْبِ فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْخِلْقَةَ عَلَى النَّاظِرِ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ لِلصَّوَابِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت