( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا نُورَثُ ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ ( مَا تَرَكْنَا ) مَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُمَحْذُوفٌ أَيْ: كُلُّ مَا تَرَكْنَاهُ ( فَهُوَ صَدَقَةٌ ) فَهُوَ خَبَرُ مَا وَالْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَا نُورَثُ فَقِيلَ مَا يُفْعَلُ بِتَرِكَتِكُمْ فَأُجِيبَ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَهُوَ صَدَقَةٌ خَبَرُ مَا ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَوَهْمٌ فَإِنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الْجَوَابُ لَا مُجَرَّدُ الْخَبَرِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الصَّوَابُ .
وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ مَا مِيرَاثُنَا إِلَّا وَاقِعٌ وَمُنْحَصِرٌ فِي صَرْفِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ إِنَّمَا مِيرَاثُهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسَاكِينِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَانْتِقَالِ ذَاتِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، قَالَ الْمَالِكِيُّ: مَا فِي تَرَكْنَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَتَرَكْنَا صِلَتُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَصَدَقَةٌ خَبَرٌ .
قُلْتُ: وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى رَفْعِ صَدَقَةٍ اتِّفَاقًا وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَبَطَلَ قَوْلُ الشِّيعَةِ أَنَّ مَا نَافِيَةٌ وَصَدَقَةً مَفْعُولُ تَرَكْنَا فَإِنَّهُ زُورٌ وَبُهْتَانٌ وَمُنَاقَضَةٌ لِصَدْرِ الْكَلَامِ عِيَانٌ ، فَلَوْ صَحَّتْ رِوَايَةُ النَّصْبِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى مَعْنًى يُطَابِقُ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةَ وَيُوَافِقُ الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ بِأَنْ يُقَالَ هِيَ مَفْعُولٌ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ أَيِ: الَّذِي تَرَكْنَاهُ مَبْذُولٌ صَدَقَةً ، وَنَظِيرُهُ مَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ ( وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) بِالنَّصْبِ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ .