فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 425

( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ) أَيْ: حِينَ بَلَغَهَا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ( فَقَالَتْ ) أَيْ: فَاطِمَةُ لِأَبِي بَكْرٍ ( مَنْ يَرِثُكَ ) أَيْ: بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ( فَقَالَ: أَهْلِي ) أَيْ: زَوْجَتِي ( وَوَلَدِي ) أَيْ: أَوْلَادِي مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ( فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا نُورَثُ ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا ، وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرُ الرَّاءِ خَطَأُ رِوَايَةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ رِوَايَةً ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ دِرَايَةً إِذِ الْمَعْنَى لَا نَتْرُكُ مِيرَاثًا لِأَحَدٍ لِمَصِيرِهِ صَدَقَةً حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى فَفِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ ، يُقَالُ: أَوْرَثَهُ مَالًا تَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: أَصْلُ الْمَجْهُولِ لَا يُورَثُ مِنَّا فَحُذِفَ مِنْ وَاسْتَتَرَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْفِعْلِ فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَائِبِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ أَيْ: تَرْتَعُ إِبِلُنَا ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لَا أَبْرَحُ أَيْ: لَا يَبْرَحُ مَسِيرِي عَلَى وَجْهٍ فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ انْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهُوَ وَجْهٌ لَطِيفٌ انْتَهَى ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَعَلَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُتَعَدِّيًا إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَلَا حَذْفَ ، وَلَا تَحْوِيلَ ، فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِمِنْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيُقَالُ: وَرَّثَ أَبَاهُ مَالًا فَالْأَبُ وَالْمَالُ كِلَاهُمَا مَوْرُوثٌ وَقَوْلُ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرِثُكَ وَمَا لِيَ لَا أَرِثُ أَبِي مُوَافِقٌ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ .

وَأَمَّا مَا حُكِيَ فِي تَفْسِيرِ يَرِثُنِي وَيَرِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَرِثُ مَالِي .

فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ لَا نُورَثُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ لِقَوْلِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ [ ص: 284 ] لَا نُورَثُ ، فَالْمُرَادُ بِالْإِرْثِ الثَّابِتِ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَبِالنَّفْيِ إِرْثُ الْمَالِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ يَرِثُنِي الْمَالُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ كَمَا ارْتُكِبَ الْمَجَازُ فِي حَدِيثِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا يُوَرِّثُونَ الْعِلْمَ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعِلْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّا لَا نُورَثُ وَأَنَّ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَامَّةٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْوَرَثَةِ ( وَلَكِنِّي أَعُولُ ) أَيْ: أُنْفِقُ ( عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُولُهُ وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ عَلَيْهِ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ لِمَا فِي الصِّحَاحِ عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَهُ يَعُولُهُمْ قَاتَهُمْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَخُصَّ قَوْلَهُ أَعُولُبِأَهْلِ دَاخِلِ بَيْتِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ لَفْظُ الْعِيَالِ وَيُرَادُ بِقَوْلِهِ أُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَيْتِهِفَانْدَفَعَ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ أَرَادَ دُخُولَ فَاطِمَةَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَوْلَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحَبُّهُنَّ إِلَيْهِ انْتَهَى . ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ إِذِ الْمَدَارُ هُنَا لَيْسَ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُهُ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَفَقَةَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَهَى ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ بَلْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ثُمَّ قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ الْإِرْثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى بَعْضُ الْوَرَثَةِ مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ رَاغِبُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَجْمَعُونَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِمْ وَأَنْ لَا يَرْغَبَ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا كَذَلِكَ وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ فَقْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارِيًّا ، وَأَمَّا مَا قِيلَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ فَضَعِيفٌ ، هُوَ بِإِشَارَاتِ الْقَوْمِ أَشْبَهُ ، وَلِذَا قِيلَ الصُّوفِيُّ لَا يَمْلِكُ ، وَلَا يَمْلِكُ هَذَا وَكَأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اعْتَقَدَتْ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ لَا نُورَثُ وَرَأَتْ أَنَّ مَنَافِعَ مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُورَثَ عَنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بَلْ أَرَادَتْ أَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَحُكْمِ غَيْرِهِمْ فِي عُمُومِ الْإِرْثِ لِإِطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَأَجَابَ الصِّدِّيقُ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ خُصَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّدِّيقِ وَكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فَهُوَ مَشْهُورٌ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْكِتَابُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَسَيَأْتِي أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا مِنْ جُمْلَةِ الْآحَادِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ وَأَيْضًا قَرَّرَ الصِّدِّيقُ رُجُوعَ الْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ إِلَى وَرَثَتِهِ لَكِنْ لَا بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْبَعْدَ مَمَاتِهِ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ فَالِاسْتِدْرَاكُ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنَ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نُورَثُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَهَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ أَمْ لَا ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت