فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 425

( حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) أَيِ: الصَّادِقُ ابْنُ الْبَاقِرِ ( عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ) قَالَ مِيرَكُ: فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ الْبَاقِرَ لَمْ يَلْقَ عَائِشَةَ ، وَلَا حَفْصَةَ فَإِنَّ وِلَادَتَهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَمَاتَتْ عَائِشَةُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَمَاتَتْ حَفْصَةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ انْتَهَى .

وَقَدْ حَقَّقَ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ طَرِيقِ الثَّبَاتِ لَا يَضُرُّ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَأَلَ سَائِلٌ عَائِشَةَ ( مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِكِ ) وَلَعَلَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ بَيْتَهَا كَانَ أَعَزَّ الْبُيُوتِ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بَعْدَهَا حَفْصَةُ لِمَكَانِ أَبَوَيْهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ كِمَالَاتِهِمَا ( قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ ) وَفِي نُسْخَةٍ أَدَمٌ بِالرَّفْعِ بِدُونِ كَلِمَةِ مِنْ ثُمَّ قِيلَ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ لَا لِأَدَمٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِفَةٌ لِأَدَمٍ لَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْفِرَاشُ مَصْنُوعًا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُ ذَلِكَ الْأَدَمِ لِيفٌ ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَدَمِ قَبْلَ الصُّنْعِ حَشْوٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا صُنِعَ فِرَاشًا انْتَهَى .

وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنُ الْمَبْنَى ، وَمُسْتَحْسَنُ الْمَعْنَى ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ، وَقَالَ: فِيهِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ لَاقْتَضَى إِلَى آخِرِهِ فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ الَّتِي زَعَمَهَا نَظَرٌ بَلْ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْفِرَاشَ اسْمٌ لِمَا يُفْرَشُ ، وَهُوَ يَكُونُ تَارَةً أَدَمًا ، وَتَارَةً غَيْرَهُ ، وَإِذَا كَانَ أَدَمًا فَتَارَةًيَكُونُ مَحْشُوًّا ، وَتَارَةً يَكُونُ بِلَا حَشْوٍ فَبَيَّنَتْ بِقَوْلِهَا حَشْوُهُ لِيفٌ أَنَّهُ أَدَمٌ مَحْشُوٌّ لَا خَالٍ عَنِ الْحَشْوِ ، فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ ، وَظَاهِرُ إِلَى آخِرِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِأَدَمٍ مَحْذُورٌ أَصْلًا انْتَهَى .

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بَلْ بَدِيهِيَّةٌ ، فَإِنْكَارُهُ حَشْوٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُصَادَرَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَابَرَةِ ، وَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَابِقًا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْأَدَمُ اسْمَ جَمْعٍ ، وَحَيْثُ أَنَّهُ جَمْعٌ فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الضَّمِيرِ [ ص: 159 ] وَالْمَرْجِعِ لَا لَفْظًا ، وَلَا مَعْنَى ( وَسُئِلَتْ حَفْصَةُ ) يَعْنِي أَيْضًا ( مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِكَ قَالَتْ: مِسْحًا ) أَيْ: كَانَ مِسْحًا ، وَهُوَ بِكَسْرِ مِيمٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ أَيْ: فِرَاشًا خَشِنًا مِنْ صُوفٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْبِلَاسِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِسْحٌ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هُوَ هُوَ أَوْ فِرَاشُهُ مِسْحٌ ( ثَنَيْتُهُ ) رُوِيَ مِنَ الثَّنْيِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يُقَالُ ثَنَاهُ عَطَفَهُ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَوْلُهُ ( ثِنْيَتَيْنِ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: طَاقَتَيْنِ ، وَالْمَعْنَى نَعْطِفُهُ عَطْفَ ثِنْيَيْنِ أَيْ عَطْفًا يَحْصُلُ مِنْهُ طَاقَانِ فَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ وَيُؤَيْدِهِ مَا فِي نُسْخَةِ ثِنْتَيْنِ بِدُونِ تَاءِ الْوَحْدَةِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ مُقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَذَا حَقَّقَهُ الْعِصَامُ .

وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَرُوِيَ مِنَ التَّثْنِيَةِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى لِقَوْلِهِ ثِنْتَيْنِ ، وَلِأَنَّ التَّثْنِيَةَ عَلَى مَا فِي التَّاجِ جَعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا ، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ هَذَا الْمَقَامَ انْتَهَى .

وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِجَعْلِ الشَّيْءِ ثَانِيًا أَنْ يَقَعَ الْقَطْعُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثِنْتَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ( فَيَنَامُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ لَيْلَةٍ ) بِالرَّفْعِ أَيْ: تَحَقُّقُ لَيْلَةٍ فَكَلِمَةُ كَانَ تَامَّةٌ ، وَقَدْ يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، وَحِينَئِذٍ ضَمِيرُ كَانَ رَاجِعٌ إِلَى الْوَقْتِ ، وَالزَّمَانِ ، وَذَاتُمُقْحَمَةٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَوِ الْمُرَادُ بِهَا سَاعَاتُ لَيْلَةٍ ( قُلْتُ ) أَيْ: فِي نَفْسِي أَوْ لِبَعْضِ خَدَمِي ( لَوْ ثَنَيْتُهُ ) أَيْ: عَطَفْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْوَاحِدِ مِنَ الثَّنْيِ عَلَى حَدِّ ضَرْبِ ( أَرْبَعُ ثِنْيَاتٍ ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: طَاقَاتٌ لَا طَفَقَاتٍ ، وَإِنِ اقْتَضَاهُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا ، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ ، وَلَعَلَّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ: أَوْ ثَنَيْتُهُ ثَنْيًا مُلَابِسًا بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ مِنْ قَبِيلِ مُلَابَسَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ فِي ضِمْنِهِ ( كَانَ ) أَيْ: لَكَانَ فِرَاشُهُ حِينَئِذٍ ( أَوْطَأَ لَهُ ) أَيْ: أَلْيَنَ مِنْ وَطِئَ يُوطِئُ إِذَا لَانَ مِنْ بَابِ حَسِنَ يُحْسِنُ ، وَيُقَالُ وَطَّأَ الْمَوْضِعَ يُوطَأُ وَطْأَةً أَيْ: صَارَ وَطْئًا أَيْ: لَيِّنًا وَكَأَنَّهُ وَطِئَ حَتَّى لَانَ ( فَثَنَيْنَاهُ ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ هُنَا بِالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الثَّنْيِ ، وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّثْنِيَةِ ( بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ ) بِالْيَاءِ لَا غَيْرَ هُنَا ، وَفِيمَا سَيَأْتِي ( فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: مَا فَرَشْتُمْ لِيَ اللَّيْلَةَ ) أَيِ: الْبَارِحَةَ أَيْ: أَيُّ فِرَاشٍ فَرَشْتُمْ لِي ، وَصِيغَةُ الْمُذَكَّرِ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِتَغْلِيبِ بَعْضِ الْخَدَمِ ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ نُعُومَتَهُ وَلِينَتَهُ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ فِرَاشِهِ الْمَعْهُودِ أَوْ نَزَلَهُ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِ ( قَالَتْ: قُلْنَا هُوَ فِرَاشُكَ ) أَيِ: الْمَعْهُودُ بِعَيْنِهِ ( إِلَّا أَنَّا ثَنَيْنَاهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ قُلْنَا ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ مُتَضَمِّنٍ لِتَعْلِيلٍ وَبُرْهَانٍ ( هُوَ ) أَيْ: كَوْنُهُ مَثْنِيًّا بِأَرْبَعِ طَيَّاتٍ ( أَوْطَأُ لَكَ ) أَيْ: أَوْفَقُ لَكَ ، وَأَرْفَقُ لِبَدَنِكَ ( قَالَ: رُدُّوهُ ) أَيْ: فِرَاشِيَ ( لِحَالِهِ الْأُولَى ) أَيْ: مِنَ الثِّنْيَيْنِ ( ; فَإِنَّهُ ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ [ ص: 160 ] ( مَنَعَتْنِي ) وَفِي نُسْخَةٍ مَنَعَنِي ( وَطْأَتُهُ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَهَمْزٍ أَيْ: لِينَتُهُ ( صَلَاتِي اللَّيْلَةَ ) أَيِ: التَّهَجُّدُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّالنَّوْمَ عَلَى الْفِرَاشِ الْمَحْشُوِّ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ عَيْنَ الْأَدَمِ ، وَاللِّيفِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَتْ شَرْطًا بَلْ ; لِأَنَّهَا الْمَأْلُوفَةُ عِنْدَهُمْ فَلَحِقَ بِهَا كُلُّ مَأْلُوفٍ عِنْدَهُمْ نَعَمِ الْأَوْلَى لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ ، وَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى الدَّعَةِ ، وَالتَّرَفَةِ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي حَشْوِ الْفِرَاشِ ، وَلِينِهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي كَثْرَةِ النَّوْمِ ، وَالْغَفْلَةِ وَالتَّثَاقُلِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ ، هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ ، وَفِرَاشٌ لِلْمَرْأَةِ وَفِرَاشٌ لِلضَّيْفِ ، وَفَرَّاشٌ لِلشَّيْطَانِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا أَضَافَهُ لِلشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ يُضَافُ إِلَيْهِ كُلُّ مَذْمُومٍ ، وَمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ ، فَهُوَ مَشْئُومٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّخَذُ لِلْخُيَلَاءِ وَالْمُبَاهَاتِ ، وَقِيلَ أُضِيفَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ مَبِيتُهُ ، وَمَقِيلُهُ ثُمَّتَعْدَادُ الْفِرَاشِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لَا يُنَافِي أَنَّ السُّنَّةَ بَيَاتُهُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ يَحْتَاجَانِ إِلَى ذَلِكَبِمَرَضٍ ، وَنَحْوِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت