فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 425

( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ شُرَيْحٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ: شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ الْحَارِثِيِّ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَنَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ هَانِئَ بْنَ زَيْدٍ ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ، وَشُرَيْحٌ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، وَهُوَ مَنْ ظَهَرَتْ فَتْوَاهُ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْمِقْدَامُ ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: ) كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ ، وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ أَيْ: شُرَيْحٌ وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ"قَالَتْ"وَعَكَسَ الْحَنَفِيُّ فَقَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ"قَالَ"، تَأَمَّلْ . قُلْتُ لَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ ، غَايَتُهُ أَنَّ عَلَى نُسْخَةِ"قَالَ"، ظَاهِرُهُ أَنَّ شُرَيْحًا سَمِعَ الْقِيلَ بِلَا نَقْلٍ بِخِلَافٍ"قَالَتْ"، ( قِيلَ لَهَا هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَمَثَّلُ ) أَيْ: يَسْتَشْهِدُ ( بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ ) وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ أَيْ: يَتَمَسَّكُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ فَخِلَافُ الْمَقْصُودِ بَلْ يُوهِمُ الْمَعْنَى الْمَرْدُودَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ، وَلَا لِلْقَصْدِ الْعُرْفِيِّ ، فَفِي الْقَامُوسِ تَمَثَّلَ: أَنْشَدَ بَيْتًا ، وَتَمَثَّلَ بِشَيْءٍ ضَرَبَهُ مَثَلًا ( قَالَتْ كَانَ ) أَيْ: أَحْيَانًا ( يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَحَدُ النُّقَبَاءِ شَهِدَ الْعَقَبَةَ ، وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ ، وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا إِلَّا الْفَتْحَ ، وَمَا بَعْدَهَا ; فَإِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا فِيهَا سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَهُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الْمُحْسِنِينَ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ .

( وَيَتَمَثَّلُ ) أَيْ: بِشِعْرِ غَيْرِهِ أَيْضًا ( وَيَقُولُ ) أَيْ: مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ أَخِي قَيْسٍ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ قَالَ ذَلِكَ فِي قَصِيدَتِهِ الْمُعَلَّقَةِ ،

وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

بِضَمِّ التَّاءِ ، وَكَسْرِ الْوَاوِ ، وَإِشْبَاعِ كَسْرَةِ الدَّالِ مِنَ التَّزْوِيدِ ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الزَّادِ ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ، وَصَدْرُ الْبَيْتِ .

سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا

مِنَ الْإِبْدَاءِ: وَهُوَ الْإِظْهَارُ هَذَا .

وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي بُسْتَانِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ قِيلَ لَهَا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَمَثَّلُ بِالشِّعْرِ ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ الشِّعْرُ غَيْرَ أَنَّهُ تَمَثَّلَ مَرَّةً بِبَيْتِ أَخِي قَيْسٍ طَرَفَةَ ، فَجَعَلَ آخِرَهُ أَوَّلَهُ مِنْ قَوْلِهِ .

سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا .

وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَزَوَّدِ

، فَقَالَ: وَيَأْتِيكَ مَنْ تَزَوَّدَ بِالْأَخْبَارِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا أَنَا بِشَاعِرٍ انْتَهَى .

وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ ; فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَثَّلَ بِمَعْنَاهُ ، وَأَتَى فِيهِ بِحَقِّ لَفْظِهِ ، وَمَبْنَاهُ ; فَإِنَّ الْعُمْدَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَضْلَةِ ، وَالشَّاعِرُ لِضِيقِ النَّظْمِ قَدَّمَ وَأَخَّرَ ، فَلَمَّا اسْتَفْهَمَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"مَا أَنَا بِشَاعِرٍ"أَيْ: حَقِيقَةً وَلَا قَاصِدِ وَزْنَهُ قِرَاءَةً ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي قَالَبِ وَزْنٍ أَوْبِدُونِهِ ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ رِوَايَةُ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُعَارِضُ رِوَايَةَ الشَّيْخِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ بِأَنْ يُقَالَ تَمَثَّلَ بِمَادَّتِهِ ، وَجَوْهَرِ حُرُوفِهِ دُونَ تَرْتِيبِهِ الْمَوْزُونِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ التَّأْوِيلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ عَلَى الصَّحِيحِ .

بَقِيَ إِشْكَالٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ [ ص: 42 ] كَلَامِ ابْنِ رَوَاحَةَ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ:"وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ"، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ طَرَفَةَ .

فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَلَامٌ بِرَأْسِهِ ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِقَائِلٍ أَوْ لِشَاعِرٍ مَشْهُورٍ بِهِ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ .

ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا تَمَثَّلَ بِالْمِصْرَاعِ الْأَخِيرِ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِتْيَانِ الْأَخْبَارِ مِنْ غَيْرِ التَّزْوِيدِ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ كَمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ الْآيَةُ الْمَنْفِيَّةُ ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْمُتَّفِقُ عَلَيْهَا جُمْلَةُ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ ( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشِّعْرِ قَالَ: هُوَ كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ .

قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشِّعْرَ كَالنَّثْرِ لَكِنَّ التَّجْرِيدَ لَهُ ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مَذْمُومٌ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت