فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 425

( حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى ، وَمُصْعَبٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مَنِ الْإِصْعَابِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ الصَّوَابُ ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ بَدَلَهُ:"مَنْصُورٌ"قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ خَطَأٌ .

( حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ ( عَنِ الْحَسَنِ ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عَنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ( قَالَ أَتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ وَلَا تَقُلْ عَجُوزَةً إِذْ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ قِيلَ إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَعَمَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِشَارِحٍ ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: كَذَا سَمِعْنَا مِنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ لِمَا سَيَأْتِي ( فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ ( أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ ) كَانَ الرَّاوِي نَسِيَ الِاسْمَ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَامَ لَفْظَ فُلَانٍ مَقَامَهُ ( إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ قَالَ ) أَيِ: الْحَسَنُ نَاقِلًا ( فَوَلَّتْ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: أَدْبَرَتْ ، وَذَهَبَتْ ( تَبْكِي ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ وَلَّتْ أَيْ: ذَهَبَتْ حَالَ كَوْنِهَا بَاكِيَةً ( فَقَالَ: أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا ) سَدَّ مَسَدَّ ثَانِي وَثَالِثِ مَفَاعِيلِ [ ص: 39 ] أَخْبِرُوهَا ( وَهِيَ عَجُوزٌ ) حَالٌ أَيْ: أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَالَ كَوْنِهَا عَجُوزًا بَلْ تَدْخُلُهَا شَابَّةً بِجَعْلِهِ تَعَالَى إِيَّاهَا كَذَلِكَ .

وَاعْلَمْ أَنَّ ضَمِيرَ"أَخْبِرُوهَا"رَاجِعٌ إِلَيْهَا قَطْعًا ، وَأَمَّا ضَمِيرُ"أَنَّهَا"يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهَا وَغَيْرِهَا ، يُعْلَمُ بِالْمُقَايَسَةِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مُبَشَّرَةً بِالْجَنَّةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى جِنْسِ الْعَجُوزِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:"إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ"وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَإِنْ قَالَ بِبُعْدِهِ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ ، عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ"إِنَّهَا"قَابِلَةٌ بِأَنْ تُجْعَلَ لِلْقِصَّةِ وَضَمِيرَ الْفَاعِلِ فِي"لَا تَدْخُلُهَا"لِجِنْسِ الْعَجُوزِ وَلَا يَأْبَاهُ قَوْلُهُ وَهِيَ عَجُوزٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا تَدْخُلُهَا بَاقِيَةً عَلَى وَصْفِ الْعُجُوزِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَلِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا كَلَامٌ يَمُجُّهُ السَّمْعُ ; فَامْتَنَعَ مِنْ ذِكْرِهِ الطَّبْعُ ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ) اسْتِئْنَافٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ ( يَقُولُ ) أَيْ: فِي كِتَابِهِ ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) الضَّمِيرُ لَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ السَّابِقِ فِي الْآيَةِ ، وَهُوَ فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ، وَالْمُرَادُ النِّسَاءُ أَيْ: أَعَدْنَا إِنْشَاءَهُنَّ إِنْشَاءً خَاصًّا ، وَخَلَقْنَاهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ ( فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ) أَيْ: عَذَارَى كُلَّمَا أَتَاهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَجَدُوهُنَّ أَبْكَارًا ، وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ:"عُرُبًا أَتْرَابًا"، وَالْعُرُبُ بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي: جَمْعُ عَرُوبٍ كَرُسُلٍ وَرَسُولٍ أَيْ: عَوَاشِقَ ، وَمُحَبَّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَقِيلَ الْعَرُوبُ الْمَلَقَةُ ، وَالْمَلَقُ: الزِّيَادَةُ فِي التَّوَدُّدِ ، وَقِيلَ الْغُنْجَةُ ، وَالْغُنْجُ فِي الْجَارِيَةِ تَكَسُّرٌ وَتَذَلُّلٌ ، وَقِيلَ الْحَسَنَةُ الْكَلَامُ ، وَأَمَّا الْأَتْرَابُ فَمُسْتَوِيَاتُ السِّنِّ بَنَاتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَزْوَاجُهُنَّ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْمَدَارِكِ وَقِيلَ بَنَاتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِذْ هَذَا أَكْمَلُ أَسْنَانِ نِسَاءِ الدُّنْيَا . وَفِي الْحَدِيثِ . هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ; فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى مُتَعَشِّقَاتٍ عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ أَفْضَلَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ ، وَمَنْ يَكُونُ لَهَا أَزْوَاجٌ ; فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا ، الْحَدِيثُ فِي الطَّبَرَانِيِّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا عَجُوزٌ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقَالَتْ هِيَ عَجُوزٌ مِنْ أَخْوَالِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعُجُزَ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَجُوزٍ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ ; فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ ; فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: لَهُ عَائِشَةُ لَقَدْ لَقِيَتْ مِنْ كَلِمَتِكَ مَشَقَّةً وَشِدَّةً فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَجُوزًا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَهَا وَمَازَحَهَا أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الصَّلَاةِ فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تَبْكِي لِمَا قُلْتَ لَهَا أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ ، فَقَالَ أَجَلْ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا وَهُنَّ الْعَجَائِزُ الرُّمْصُ ، وَهُوَ جَمْعُ الرَّمْصَاءِ ، وَالرَّمَصُ وَسَخُ الْعَيْنِ يَجْتَمِعُ فِي الْمُوقِ هَذَا ، وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ضَمِيرَ أَنْشَأْنَاهُنَّ لِلْحُورِ الْعِينِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ أَيْضًا ، فَالْمَعْنَى خَلَقْنَاهُنَّ كَامِلَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ وِلَادَةٍ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَتَبِعَهُ الْحَنَفِيُّ ، وَابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنْ عَلَى هَذَا [ ص: 40 ] وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ إِلَى نِسَاءِ الْجَنَّةِ بِأَجْمَعِهِنَّ وَحَاصِلُهُ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ كُلَّهُنَّ أَنْشَأَهُنَّ اللَّهُ خَلْقًا آخَرَ يُنَاسِبُ الْبَقَاءَ ، وَالدَّوَامَ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ الْخُلُقِ ، وَتَوَفُّرَ الْقُوَى الْبَدَنِيَّةِ ، وَانْتِفَاءَ صِفَاتِ النَّقْصِ ، وَالزَّوَالِ عَنْهَا ، وَإِذَا كَانَ هَذَا نَعْتَ النِّسَاءِ الَّتِي خَلَقَهُنَّ لِلرِّجَالِ ; فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ ، وَقَدْرَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلَيْنِ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً"، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ ، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعَجَائِزِ لِسَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ لِأَنَّغَيْرَهُنَّ يَعْلَمُ بِالْمُقَايَسَةِ بَلْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .

وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْمٍ الْفِهْرِيِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت