فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 425

( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ( بْنُ زَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ بِلَا تَاءٍ ، وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَلَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ ( قَالَ: طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِدْرًا ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ شَاةً أَوْ لَحْمًا فِي قِدْرٍ ، فَذَكَرَ الْقِدْرَ ، وَأَرَادَ مَا فِيهِ مَجَازًا ، بِذِكْرِ الْمَحَلِّ ، وَإِرَادَةِ الْحَالِّ ، ثُمَّ مَا قَدَّرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ ، أَيْ طَعَامًا فِي قِدْرٍ ، ( وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ فَنَاوَلْتُهُ ) أَيْ أَعْطَيْتُهُ ( الذِّرَاعَ ) ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَإِنَّمَا نَاوَلَهُ بِلَا طَلَبٍ ; لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يُعْجِبُهُ ( ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَنَاوَلْتُهُ ) أَيِ الذِّرَاعَ فَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا مَحْذُوفٌ ( ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ ) الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ نَاوَلْتُكَ الذِّرَاعَيْنِ ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ ، حَتَّى أُنَاوِلَكَ ثَالِثًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ أَوْ تَعَجُّبٌ لَا إِنْكَارٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ ( فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَيْ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، وَهَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا ، وَفِيهَا الْمَذْهَبَانِ الْمَشْهُورَانِ: التَّأْوِيلُ إِجْمَالًا ، وَهُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَوَاهِرِهَا ، وَتَفْوِيضُ التَّفْصِيلِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ السَّلَفِ ، وَالتَّأْوِيلُ تَفْصِيلًا ، وَهُوَ مُخْتَارُ أَكْثَرِ الْخَلَفِ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ السَّلَفُ عَدَمَ التَّفْصِيلِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُضْطَرُّوا إِلَيْهِ لِقِلَّةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ فِي زَمَانِهِمْ وَآثَرَ [ ص: 265 ] الْخَلَفُ التَّفْصِيلَ ; لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ فِي زَمَانِهِمْ ، وَعَدَمِ إِقْنَاعِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ الْمُجَرَّدِ ; وَلِذَا زَلَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَدَمُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ( لَوْ سَكَتَّ ) أَيْ عَمَّا قُلْتَ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ ، وَامْتَثَلْتَ أَمْرِي فِي مُنَاوَلَةِ الْمُزَادِ ( لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ ) أَيْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ( مَا دَعَوْتُ ) أَيْ مُدَّةَ مَا طَلَبْتُ الذِّرَاعَ ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ يَخْلُقُ فِيهَا ذِرَاعًا بَعْدَ ذِرَاعٍ مُعْجِزَةً وَكَرَامَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ .

قِيلَ: وَإِنَّمَا مَنَعَ كَلَامُهُ تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ ; لِأَنَّهُ شَغَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ ، بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ ، أَوْ إِلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ خَارِقَ الْعَادَةِ ، يَكُونُ فِي حَالَةِ الْفَنَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ عَنِ السَّوَاءِ ، حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَنْفُسَهُمْ ، فَكَيْفَ فِي حَالِ غَيْرِهِمْ ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ ، أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لَا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي .

وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ، لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ .

هَذَا وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَجَعَلَهَا فِي قِدْرٍ ، فَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا ، قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَنَاوَلْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ فَنَاوَلْتُهُ ، فَقَالَ: نَاوِلَنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتُّ ، الْحَدِيثَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت