"فلا يقدح في ذلك كونه ضعيف الحديث في غيرما يتعلق بالقراءة".
قلت: فهذه شهادة جديدة من المحدث السندي تضم إلى شهادات الأئمة
المتقدمين تدمغ هذا الجاهل دمغًا، وتمحو دعواه الباطلة محوًا، وتجعل رسالته هباءً
منثورًا.
11 -ومن أكاذيبه الخطيرة التي لا بد من ذكرها وبيانها وختم هذا البحث بها
قوله (ص 34) - بعد أن ذكر تصحيح الحاكم للحديث:
"وجاء تواتر الأمة على فعله"!
فهذا كذب محض لم يقله أحد قبله! فإن المسألة الخلاف فيها قديم بين القراء،
فضلًا عن غيرهم؛ فإنه لم يقل بالتكبير المذكور في الحديث من القراء المشهورين
غير عبدالله بن كثير المذكور في إسناده المتقدم، وهو مكي توفي سنة (120) . ثم
تلقاه المكيون عنه؛ كما حقق ذلك ابن الجزري (2/ 392) ، وقال قبل ذلك
(2/ 390) بعد أن ذكر الحديث وغيره مما تقدم:
"قال الداني: فهذا سبب التخصيص بالتكبير من أخر: {والضحى} ،"
واستعمال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياه، وذلك كان قبل الهجرة بزمان؛ فاستعمل ذلك المكيون،
ونقل خَلَفهم عن سلفهم، ولم يستعمله غيرهم؛ لأنه اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك ذلك بعد، فأخذوا
بالآخر من فعله"."
فأين التواتر الذي زعمه هذا الجاهل - أو: المتجاهل - ونسبه إلى الأمة، مع
تصريح هذا الإمام الداني بأنه لم يستعمله غير المكين؟! أم أن هؤلاء ليسوا عنده من
الأمة؟! وماذا يقول في تعليل الإمام الداني تركهم له؟!
ثم إن المكيين أنفسهم لم يستمروا على استعماله؛ فقد ذكر الفاكهي في
"أخبار مكة" (3/ 36/1745) أن ابن أبي عمر قال:
"أدركت الناس في مكة على هذا: كلما بلغوا: {والضحى} ؛ كبروا حتى"
يختموا، ثم تركوا ذلك زمانًا، ثم عاودوه منذ قريب، ثم تركوه إلى اليوم"."
وابن أبي عمر هذا من شيوخ الفاكهي ومسلم، واسمه: محمد بن يحيى بن
أبي عمر العدني أبو عبدالله الحافظ، وقد أكثر الفاكهي عنه بحيث أنه روى عنه
أكثر من خمسمائة رواية - كما ذكر ذلك المعلق على كتابه جزاه الله خيرًا -، مات
سنة (243) .
قلت: فهذه الرواية مما يُبطل التواتر الذي زعمه؛ لأنها تنفي صراحة انقطاع
استمرار العمل، بل قد جاء عن بعض السلف إنكار هذا التكبير واعتبره بدعة،
وهو عطاء بن أبي رباح المكي؛ فقال الفاكهي: حدثني أبو يحيى بن أبي مرة عن
ابن خنيس قال: سمعت وهيب بن الورد يقول: (قلت: فذكر قصته، وفيها) ولما
بلغ حميد (وهو: ابن قيس المكي) : {والضحى} ؛ كبر، فقال لي عطاء: إن هذا
لبدعة.
وهذا إسناد جيد، وفيه إثبات سماع وهيب من عطاء، فما في"التهذيب"
-وتبعه في"جامع التحصيل"- أن روايته عن عطاء مرسلة؛ لعله وهم، أو سبق
قلم! فإن الذي في"الجرح"مكان: (عطاء) (طاوس) وهو أقدم وفاة من عطاء.
والله أعلم.
وفتوى ابن تيمية الواردة في المجلد (13) من"مجموع الفتاوى"(ص 417 -
419)تميل إلى عدم مشروعية هذا التكبير؛ فإنه سئل عنه فقال:
"إذَا قَرَأوا بِغَيْرِ حَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ كَانَ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ، بَلْ الْمَشْرُوعَ"
الْمَسْنُونَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ مِنْ الْقُرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا يُكَبِّرُونَ، لَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَلَا فِي
أَوَاخِرِهَا. فَإِنْ جَازَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ نَقَلَ التَّكْبِيرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَؤُلَاءِ نَقَلُوا تَرْكَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ
تَكُونَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي نَقَلَتُهَا أَكْثَرُ مِنْ [نَقَلَةِ] قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، قَدْ أَضَاعُوا فِيهَا مَا
أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)