وكما هو ملاحظ فإن القرآن الكريم يختار أيضا طريقة المقابلة للتعبير عن هذه القيم المعنوية والفكرية، وغاية هذه المقابلة هي بيان صفات المشركين الكافرين، وفي مقابل ذلك بيان صفات المؤمنين الموحدين، وعلى غرار ذلك بيان الصنف المستحق للخير والحق، والصنف المستحق للشرّ والباطل، ومصير كل صنف في الحياة الدنيا والآخرة، وهو من باب تمييز الخير والشر، قال تعالى في آية أخرى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 3635] .
الحلال والحرام هما عنصران من عناصر الخير والشر، وقد أفردنا لهما بابا خاصا هنا لخصوصية هذا الموضوع وارتباط كثير من القضايا الكبرى في الدين به، ولارتباطه كذلك بأخصّ خصائص الوحدانية كما ذكر في السابق وهي الحاكمية، وقد اهتم القرآن الكريم بهذا الموضوع في كثير من سوره، لأنّه الجانب الذي ينكره المنكرون، وهو الجانب الذي تحدى فيه البشر ألوهية الله ووحدانية وحقه في الحكم والتشريع، فأحلّوا وفق أهوائهم ما حرّم الله، وحرّموا وفق شهواتهم ما أحلّ الله تعالى.
والحلال ضد الحرام، قال تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا تُحَرِّمُوا طَيِّبََاتِ مََا أَحَلَّ اللََّهُ لَكُمْ وَلََا تَعْتَدُوا إِنَّ اللََّهَ لََا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمََّا رَزَقَكُمُ اللََّهُ حَلََالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللََّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 8887] .
«فهذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرّموا طيبات ما أحل الله لهم، والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد والتحليل حلّ ذلك العقد» [1] .
والحرام في مفهومه الشامل هو «الممنوع منه إما بتسخير إلهي وإما بشري، وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره» [2] .
(1) الطوسي (460هـ) تفسير التبيان ج 4ص 9.
(2) الراغب الأصفهاني مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص 229.