وبعد: فهذه خلاصة مجملة لأهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:
أالمقابلة محسّن بديعي في مذاهب القدماء، وتدخل في المحسنات المعنوية للكلام، وقد تناولها دارسو الإعجاز في بدائع القرآن، غير أن المتأمل في دلالاتها واستخداماتها الكثيرة يرى أن لها أغراضا أبعد من ذلك، فهي فن بلاغي، وطريقة في أداء المعنى لها آثارها وقيمها البعيدة، كما أنها تساهم في إبراز المعنى بما فيها من ثنائية وتضاد، هذا من حيث الدلالة أما من حيث الاستخدام فقد لوحظ أن الأدب العربي بشعره ونثره قد تميز بها، وبخاصة الشعر الجاهلي، أما وجودها في القرآن فيكاد يشكل ظاهرة واسعة جدا، وقد لا نحتاج أبدا إلى الإحصاء كي نثبت ذلك، بل إن مجرّد قراءة عادية في النصوص القرآنية تجعلنا نقف أمام أسلوب في العرض فريد، وطريقة في الأداء رائعة.
ب إن قضية «الوحدانية والتعدد» هي من القضايا التي تنوّع عرضها في القرآن بأساليب كثيرة، وطرق متنوعة تحقيقا لغايات التربية والإقناع، وقد كان هذا «التنويع» أمرا مقصودا في طرق الأداء، فهو تنويع يشبه التنويع الذي نستطعمه لمذاق السكر في الفواكه المختلفة، والمقابلة هي إحدى طرق العرض المتميّزة بين هذه الطرق، فقد جاءت لغاية الفصل بين المعبود بحقّ، وبين الآلهة التي اتخذها البشر أندادا وشركاء له.
ج وإنّ الوجود الإنساني كلّه مبني على التقابل بين الأشياء بدليل البداهة، وبدليل القرآن الكريم، فما من شيء إلّا وله ما يقابله وينافيه في أوصافه إذا كانا تحت جنس واحد، والعقل البشري مجبول في أصل خلقته على
أن يقابل بين المتضادات، فهو ينزع دائما إلى المزاوجة بين الأشياء التي تعرض له، وتدور في محيط تفكيره، وقد أقام الله هذا التقابل لمصلحة يراها هو تحقيقا لضرورة سير الحياة.