فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 238

6 -ظاهرة «التنويع» في عرض الوحدانية:

إنّ الوحدانية التي تحدّد معناها فيما سبق هي إفراد الله بالخلق والأمر، وتخصيصه وحده بالخضوع والعبادة، وقد أخذت في القرآن المساحة الكبرى، فقارئ القرآن لا يكاد يمر بآية إلّا ويجد فيها حديثا مباشرا أو غير مباشر عن الله وصفاته وعظمته ومشيئته، وتدبيره للكون، وتنظيمه للكائنات، بل سيجده تعالى وراء كل حركة أو توجيه أو سنّة كونية، ومثل هذا الحديث المتنوّع لا مثيل له في كلام البشر، قال الله: {اللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتََابًا مُتَشََابِهًا مَثََانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] .

فالقرآن الكريم موصوف بحسن الحديث وكونه متشابها مثاني، أما وصفه بالحديث الحسن «فلأنّه اشتمل على أفضل ما تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة، والجامعة لأصول الإيمان والتشريع والاستدلال، والتنبيه على عظم العوالم والكائنات، وعجائب تكون الإنسان والعقل وبثّ الآداب، وغير ذلك من المعاني» [1] ، وأمّا كونه «متشابها مثاني» فمعانيه متشابهة في صحتها وأحكامها، وابتنائها على الحق والصدق، وهي معاني مثنّاة أي مكرّرة مرات ومرات، وفي كل مرة تجد أسلوبا جديدا، وروحا جديدة، وعرضا جديدا بشكل عجيب مدهش، غير مستطاع للبشر، وهذا وحده مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن الكريم» [2] .

فالقرآن الكريم يصف نفسه بوصف «المثاني» ويعني «التنويع» في عرض الحقائق والأفكار، وهو أسلوب معجز لا يستطيعه البشر، وقد كان موقف المستشرقين ومن لفّ لفهم أن أنكروا هذا الأسلوب، وعدّوه تكرارا لا يليق بمستوى البلاغة والفصاحة، وكان إنكارهم هذا دليلا على سوء طبعهم وفساد طويتهم، وعجزهم عن تذوق جمال اللغة العربية [3] .

(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ط الدار التونسية للنشر 1984ج 23ص 385.

(2) سعد حوى الأساس في التفسير ط 1دار السلام للطباعة 1985م ج 9ص 4871.

(3) فضل حسن عباس قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت