فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 238

أما العارفون بدقائق اللغة العربية فيرون في هذا الأسلوب لونا من ألوان الإعجاز البياني، والقرآن الكريم يلجأ إليه لعرض قضاياه في قوالب بيانية متنوعة تحقيقا لأغراض وقيم فكرية وجمالية كثيرة، ولذلك عدّ من أساليب الإقناع في القرآن الكريم [1] .

فقضية الوحدانية هي من القضايا التي تنوّع عرضها في القرآن الكريم بأساليب كثيرة، وطرق متنوعة لتحقيق أغراض تربوية وإقناعية، والقرآن الكريم يهدف إلى تغيير النفوس، ومزج الحقائق بالقلوب، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالتنويع والتكرير، والضرب على أوتار النفوس المختلفة، والمتباينة في طبائعها وتكوينها النفسي والفكري.

إنّ التعامل مع النفس البشرية بجميع قواها لغايات الإقناع والتغيير، والاستجابة والتأثير، يقتضي التنويع في الأساليب والوسائل التي لها قدرة على تحريك هذه القوى، فالضرب على أوتار النفس المتعددة من شأنه أن يخضع النفس، ويقهر تفوقها في الجدل.

وقد كان التنويع في عرض قضية الوحدانية أمرا مقصودا في طرق الأداء لتلبية حاجات النفوس، وهو تنويع يشبه التنويع الذي نستطعمه لمذاق السكر في الفواكه المختلفة، يقول محمد عبد الله دراز: «والأعجب في القرآن أنّه مع كونه أكثر الكلام افتنانا وتنويعا في الموضوعات هو أكثره افتنانا وتلوينا في الأسلوب في الموضوع الواحد، فهو لا يستمر طويلا على نمط واحد من التعبير، كما أنه لا يستمر طويلا على هدف واحد من المعاني، ألا تراه كما ينتقل في السورة الواحدة من معنى إلى معنى ينتقل في المعنى الواحد بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، واسمية وفعلية، ومضيّ وحضور، واستقبال وتكلّم، وغيبة وخطاب،

(1) بن عيسى عبد القادر با طاهر أساليب الإقناع في القرآن الكريم رسالة الماجستير الجامعة الأردنية 1990ص 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت