إلى غير ذلك من طرق الأداء، على نحو من السرعة لا عهد لك بمثله ولا بما يقرب منه في كلام غيره قط، ومع هذه التحولات السريعة المستمرة التي هي مظنّة الاختلاج والاضطراب بل مظنّة الكبوة والعثار في داخل الموضوع أو في الخروج منه، تراه لا يضطرب ولا يتعثّر، بل يحتفظ بتلك الطبقة العليا من متانة النظم وجودة السبك حتى يصوغ من هذه الأفانين الكثيرة منظرا مؤتلفا، فأيّ امرئ يحسن العربية وينظر في نظم القرآن هذه النظرة ثم لا يرى فيه من أثر القدرة الباهرة سرّا من أسرار التحدي والإعجاز» [1] .
ولا يقدر على هذا التنويع في الأساليب لتلبية حاجات النفوس إلا العليم بخبايا النفوس وأسرارها، ولهذا تميّز القرآن على جميع المستويات وبخاصة المستوى الأدبي الذي يختلف قانونه عن قانون البشر، يقول مالك بن نبي: «إنّ عبقرية الإنسان تحمل بالضرورة طابع الأرض، حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان، بينما يتخطّى القرآن دائما نطاق هذا القانون، وما كان لكتاب بهذا السموّ أن يتصور في حدود الأبعاد الضيقة للعبقرية الإنسانية، ومن المقطوع به أنّه لو أتيح لأحد من الناس أن يقرأ القرآن قراءة واعية يدرك من خلالها رحابة موضوعه، فلا يمكنه أن يتصور الذات المحمدية إلا مجرد واسطة لعلم غيبيّ مطلق» [2] .
قبل الحديث عن «المقابلة» واعتماد القرآن الكريم عليها ضمن طرق العرض، لا بدّ من الإشارة إلى مسألتين:
أولا: تناول دارسو البلاغة وإعجاز القرآن «المقابلة» بالبحث والدراسة، وكانت نظرتهم لها في نطاق ضيق وضمن علم البديع، وعدوا المقابلة من
(1) النبأ العظيم ط دار القلم: الكويت ص 144.
(2) الظاهرة القرآنية ص 188.