وفي مشاهد الكون المتقابلة استدلال يوجب الإقرار بالوحدانية والقدرة القاهرة، السماوات والأرض، الأعمى والبصير، الظلمات والنور، ومن يخلق ومن لا يخلق [1] ، وهذ المقابلات التي تساق هي لإيضاح الفرق بين الحق والباطل مثل وضوح الفرق بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور، فالوحدانية في الخلق والوحدانية في القهر {قُلِ اللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوََاحِدُ الْقَهََّارُ} ، هي الحق الذي لا يمكن بأية حال أن يرتقي إليه الباطل المتمثل في التعدد [2] .
1 -التقابل ضرورة بشرية:
إن الوجود الإنساني كلّه قائم على التقابل بين الأشياء، وهذا من البديهيات التي يدركها أي عاقل، فما من شيء إلا وله ما يقابله وينافيه في أوصافه إذا كانا تحت جنس واحد، ويكون بينهما تضاد يبعدهما أبعد البعد، كالسواد والبياض، والخير والشر، والظلم والعدل وغير ذلك من المتضادات.
والضد هو أحد المتقابلات، لأنّ المتقابلين هما الشيئان المختلفان اللذان كل واحد منهما قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد [3] .
وقد أقام الله الكون وما فيه على التقابل والتضاد لحكمة يعلمها هو، قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] ، «أي أنّ الموجودات كلها متقابلة إلا الله فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحقّ الخالق للأزواج كلها» [4] .
(1) حامد قنيبي المشاهد في القرآن الكريم ص 497.
(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 4 ص 2053.
(3) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز تحقيق محمد علي النجار ط المكتبة العلمية: بيروت ج 3 ص 463.
(4) الغزالي أبو حامد إحياء علوم الدين ج 3 ص 44.