إن المقابلة التي يعقدها القرآن الكريم بين الإله المستحق للعبادة، وبين ما ابتدع البشر من آلهة باطلة هي من الوسائل المفيدة في الإقناع والتأثير، ولذلك ترى القرآن يلجأ إليها كثيرا في معرض الاستدلال والاحتجاج، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لََا يَخْلُقُ أَفَلََا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللََّهِ لََا تُحْصُوهََا إِنَّ اللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 1717] .
فهذه الآية تحرّك العقول، وتوقظ الضمائر حين تعقد مقابلة فكرية بين الإله الذي يعترفون بأنه الخالق المصوّر {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللََّهُ} [لقمان: 25] وبين الآلهة التي لا تملك من أمر الخلق شيئا، ومن خلال هذه المقابلة يأتي الدليل الذي يلزمهم ويفحمهم ويقنعهم إن استقامت القلوب على منهج الله.
وقال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللََّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ لََا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلََا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى ََ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمََاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشََابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوََاحِدُ الْقَهََّارُ} [الرعد: 16] .
فقد سيقت هذه الآية للاستدلال على الوحدانية المطلقة لله، وسيقت لإفحام أولئك الذين لم يدركوا خصائص الألوهية، وأشركوا مع الله آلهة أخرى لا تملك مقومات الألوهية، وكما هو واضح فإن الآية الكريمة تعتمد أسلوب المقابلة في عرض هذه الحقيقة، فقد قابلت بين الإله الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، وبين المالك لكل شيء، كل ذلك لتحريك العقول، وإيقاظ المشاعر، لإدراك فكرة الوحدانية التي تملك الخصائص التي لا يشاركها فيها أحد من البشر أو الخلق، وفي سياق هذه الآية جاءت المقابلة بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، وبين من يخلق ومن لا يخلق كلّها بأسلوب الاستفهام التقريري التوبيخي لتمام المناسبة لأن حال المشركين أصحاب العمى كحال الظلمة في انعدام إدراك المبصرات، وحال المؤمنين كحال البصر في العلم، وكحال النور في الإفاضة والإرشاد [1] .
(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 13ص 114.