فالتناسق الفني الذي نلمحه في هذه الآيات مبعثه طريقة المقابلة بين الصورة البعيدة وما يقابلها من صورة قريبة، مما أعطى لأجزاء الصورتين انسجاما رائعا لا خلل ولا اضطراب فيه.
أما الشكل الثاني للتناسق الفني بطريق التقابل فهو: المقابلة بين صورتين حاضرتين، ومثال ذلك قوله تعالى: {أَفَمَنْ كََانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كََانَ فََاسِقًا لََا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ فَلَهُمْ جَنََّاتُ الْمَأْوى ََ نُزُلًا بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوََاهُمُ النََّارُ كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا أُعِيدُوا فِيهََا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذََابَ النََّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} (20) [السجدة: 2018] .
فهذا السياق يعتمد على المقابلة في التفريق بين حقيقتين، وتمييز إحداهما عن الأخرى {أَفَمَنْ كََانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كََانَ فََاسِقًا لََا يَسْتَوُونَ} (18) لأن حقيقة الإيمان تختلف اختلافا جوهريا عن حقيقة الكفر، وهذا الذي يريد السياق أن يقرره، ثم بنى على هذه التمايز بين الكفر والإيمان العذاب الحسي الذي ينتظر الكافرين، والنعيم المادي الذي ينتظر المؤمنين، ورسم لذلك صورتين كأنهما حاضرتين.
فهنا تقابل في جو العذاب وجوّ النعيم، وفي كل جزئية من الجزئيات هنا وهناك، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم.
الخاتمة