استحضار هذه الصورة الأخيرة ليقابلها بالصورة المنظورة، من ذلك قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (4) [النحل: 4] .
فالصورة الحاضرة هنا هي صورة الإنسان «الخصم المبين» والصورة الماضية هي صورة النطفة الحقيرة، وبين الصورتين مسافة بعيدة يراد إبرازها لبيان هذه المفارقة في تصرف الإنسان، ولهذا جعل الصورتين متقابلتين، وأغفل المراحل بينهما، لتؤدي المفارقة الواضحة هذا الغرض الخاص» [1] .
ومثال آخر لهذا التناسق في قوله تعالى: {وَأَصْحََابُ الشِّمََالِ مََا أَصْحََابُ الشِّمََالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لََا بََارِدٍ وَلََا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ} (45) [الواقعة: 4541] .
«فالسموم والحميم» والظل الذي ليس له من الظل إلّا اسمه، لأنّه من «يحموم» «لا بارد ولا كريم» ، صورة هذا الشظف تقابل صورة الترف: «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين» ، وهؤلاء المتحدث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة، وصورة الترف في هذه الصورة القريبة، أما ما ينتظرهم من السموم والحميم والشظف فهو الصورة البعيدة، ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيّل للقارئ أن الدنيا قد طويت، وأنهم الآن هناك، وأن صورة الترف قد طويت كذلك، وصورة الشظف قد عرضت، وأنهم الآن يذكّرون في وسط السموم والحميم، بأنهم «كانوا قبل ذلك مترفين» وذلك من عجائب التخييل. ولكنّه النسق المتّبع غالبا في القرآن، والذي يلبي طلبة الفن والدين في آن، يلبي طلبة الفن في قوة الإحياء، حتى لينسى المشاهد أنّ هذا مثل يضرب، ويحس أنّه حاضر يشهد، ويلبي طلبة الدين، لأنّ الإحساس بالمغيّب حاضرا مما يلمس الوجدان، ويهيئ لدعوة الإيمان» [2] .
(1) سيد قطب التصوير الفني في القرآن ص 98، 99.
(2) سيد قطب التصوير الفني في القرآن ص 100.