إنّ مصدر الجمال الفني في هذه الآيات هو في الجمع بين مشهدين متقابلين من مشاهد يوم القيامة، «فنحن في مشهد هول، هول لا يتمثل في
ألفاظ ولا في أوصاف، ولكن يتمثل في آدميين أحياء، في وجوه وسمات، هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر، فابيضت من البشر والبشاشة، وهذه وجوه كمدت من الحزن، واغبرت من الغمّ، واسودّت من الكآبة» [1] .
ولو عرضنا مشهدا منفردا من هذين المشهدين لما كان له هذا الرونق والحسن، ولما كان له هذا الشدّ والجذب الذي أفاده جمال التعبير، ودقة التصوير.
ومن الغايات الفنية التي تسعى إليها المقابلة في القرآن الكريم توفير التناسق الفني بين أجزاء التعبير، والتناسق هو نوع من الانسجام التام، والارتباط الوثيق بين الألفاظ والعبارات والصور، بحيث يبدو التعبير مثل الصورة المكتملة في أجزائها، المتناسقة في ألوانها، وكالشيء الجميل الذي تترابط جميع عناصره لتكون في النهاية منظرا رائعا مؤثرا تتملاه العيون، وتتجاذبه النفوس.
والتعبير القرآني يعتمد على الألفاظ وحدها في أداء المعاني، ورسم الصور، وقد بلغ الذروة من الكمال في توفير التناسق الكامل بين جميع الأجزاء المعروضة، وهذا سرّ من أسرار الإعجاز فيه لا مثيل له في كلام البشر.
ويلاحظ أنّه يكثر من استخدام المقابلة في تنسيق صوره التي يرسمها بالألفاظ على نحو دقيق [2] ، وهذا الاستخدام هو الذي منح التعبير قوة في الأداء، وجمالا في التصوير وبراعة في النظم، فالمقابلة من الأساليب القليلة التي بإمكانها توفير التناسق الفني في التعبير، فلا عجب أن يكثر القرآن من استخدامها.
والتناسق الفني بطريق التقابل له شكلان أولهما: «التقابل بين صورتين إحداهما حاضرة الآن، والأخرى ماضية في الزمان، حيث يعمل الخيال في
(1) سيد قطب في ظلال القرآن ج 1ص 445.
(2) سيد قطب التصوير الفني في القرآن ص 96.