فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 238

بين الصورة وما يقابلها، وتناسق جميع الأجزاء بعضها مع بعض، حتى إذا حاولت أن تعرض جانبا واحدا من الصورة فقد الجانب الآخر رونقه وحسنه، وهذا الجمال الفني الذي تفيده المقابلة عبّر عنه أحد الشعراء قديما فقال:

الوجه مثل الصبح مبيضّ ... والشعر مثل اللّيل مسودّ

ضدان لما استجمعا حسنا ... والضدّ يظهر حسنه الضدّ

فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميّز الأشياء، هذا في مستويات العرض البسيطة المألوفة لدى البشر، أما حين يكون العرض في قمة الكمال المعنوي والأدبي كما هو الحال في القرآن الكريم، فذلك هو عين الجمال الفني الذي يعجز عنه البشر في كلامهم.

وهذا الجمال الذي أبدعه الله في الكون ومشاهده، والذي يدركه ويتذوقه أي إنسان سليم في طبعه، متأتاه الجمع بين الأشياء ونظائرها، والحقائق وأضدادها ولذلك قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (49) [الذاريات: 49] .

فالذي يعطي للنهار جمالا وأهمية وجود الليل، والذي يعطي للحياة قيمة وطعما وجود الموت، والذي يعطي للإيمان قيمة وجمالا وجود الكفر، وهكذا في جميع الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة.

فالجمال سمة ظاهرة في القرآن الصامت وهو الكون، وسمة بارزة في القرآن الناطق، وقد كان للمقابلة وغيرها من الأساليب فضل المساهمة في إضفاء صفة الجمال على الأسلوب القرآني، وإذا أخذنا مثالا من القرآن فسنجد فيه صدق ما نقول، فمن ذلك مثلا قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللََّهِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ} (107) [آل عمران: 107106] .

إنّ مصدر الجمال الفني في هذه الآيات هو في الجمع بين مشهدين متقابلين من مشاهد يوم القيامة، «فنحن في مشهد هول، هول لا يتمثل في

ألفاظ ولا في أوصاف، ولكن يتمثل في آدميين أحياء، في وجوه وسمات، هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر، فابيضت من البشر والبشاشة، وهذه وجوه كمدت من الحزن، واغبرت من الغمّ، واسودّت من الكآبة» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت