درجة الحرمان من عمارة هذا المسجد، وشهادتهم بالكفر أيضا تستفاد من قولهم بالطواف: لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وقولهم إذا سئلوا عن دينهم: نعبد اللات والعزى، أو تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم [1] .
أما الصنف الذي يستحق أن يدخل مساجد الله فهو على النقيض من الصنف الأول في كل شيء، إنّه صنف أول صفاته الإيمان بالله تعالى ثم العمل بمقتضيات هذا الإيمان كالإيمان باليوم الآخر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقصر الخشية لله وحده سبحانه.
ومجيء صيغة القصر في الآية بقوله تعالى: {إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اللََّهِ} إنما المقصود منه إقصاء فرق أخرى عن أن يعمروا مساجد الله غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح، فتعين أن يكون المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين، لأن مجموع الصفات المذكورة في الصلة لا يثبت لغيرهم، فاليهود والنصارى آمنوا بالله واليوم الآخر لكنهم لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة، لأنّ المقصود بالصلاة والزكاة العبادتان المعهودتان بهذين الاسمين والمفروضتان في الإسلام وفرّع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين، أي من الفريق الموصوف بالمهتدين، وهو الفريق الذي الاهتداء خلق لهم في هذه الأعمال وفي غيرها [2] .
«فهذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله، وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبيّنها الله للمسلمين والمشركين، فما يجوز أن يسوّى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية، وعقيدتهم ليست خالصة لله، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد، لا يجوز أن يسوى هؤلاء لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته» [3] .
(1) أبو حيان الأندلسي البحر المحيط ج 5ص 286.
(2) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 10ص 142141.
(3) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1614.