المقابلة لأداء غرض بلاغي محدود هو تحسينه وتنميقه بل إنها طريقة رائعة في العرض، وإنها أبرزت القيم الفكرية والمعنوية، التي يريد القرآن الكريم توصيلها إلى النفوس.
وقال تعالى: {مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اللََّهِ شََاهِدِينَ عَلى ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ وَفِي النََّارِ هُمْ خََالِدُونَ (17) إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقََامَ الصَّلََاةَ وَآتَى الزَّكََاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللََّهَ فَعَسى ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) [التوبة: 1817] .
يتحدث القرآن الكريم بطرق كثيرة عن صور الخير والشر كما يراها في واقع الناس، وفي هاتين الآيتين المتقابلتين تقابل تضاد حديث متميز عن الخير والشر من أشكالهما، والآيتان كسابقتيهما تتحدثان عن صنفين من الناس، وعن طبيعة كل صنف، وتبرزان الحقيقة الكبرى التي يريد القرآن توضيحها وهي تمييز الخبيث من الطيب، والمنكر من المعروف.
ومن القيم المعنوية والفكرية التي أدتها الآيتان أنّ الله سبحانه منع المشركين من دخول المساجد، وهو هنا مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله تعالى: {بَرََاءَةٌ مِنَ اللََّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عََاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] ، ولما اتصل بتلك الآية من بيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر الصديق أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وهو توطئة لقوله: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلََا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا}
[التوبة: 28] ، والتعامل مع المشركين جاء معللا بكفرهم وشركهم بوحدانية الله [1] . والمتّصف بهذه الصفة محروم من دخول المسجد وعمارته، لأن مساجد الله هي حقّ لله وحده، ثم هي أقيمت لعبادة الله لا لغيره، والكعبة هي بيت الله الحرام القائم على التوحيد منذ أول يوم بني فيه، ولذلك كلّه استحقوا
(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 10ص 140139.