عملية الإقناع والإمتاع، والملاحظ في هذه الآية أن المعنى مؤدى في صورتين متقابلتين، صورة تمثّل بنيان الحق والخير الثابت، وصورة أخرى مناقضة تماما للصورة الأولى وهي لبنيان الكفر والشر المتزعزع.
لقد اجتمعت في الآية طريقتان في العرض، طريقة التصوير وطريقة المقابلة، وهما طريقتان متكاملتان منسجمتان، وهذا من خصائص الأسلوب القرآني الذي ينوّع في الوسائل ويعدد في الأساليب، فحينما تعرض الصورة الأولى ثم الصورة التي تقابلها تقابل تضاد واختلاف، فإنّ هذا من أقوى الأساليب في التأثير والإقناع، فالبنيان المتماسك في الصورة الأولى يقابله البنيان المتزلزل في الصورة الثانية، والتقوى يقابلها الجرف والحصار، والرضوان يقابله نار جهنم، وبهذا تكون قد تحققت شروط المقابلة في الجزءين وفي الصورتين.
«فلنقف لحظة نتطلع إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن، ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الكفر إنه قائم على شفا جرف هار، قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار، إننا نبصره اللحظة بتأرجح ويتزحلق وينزلق، إنّه ينهار! إنّه يهوي! إنّ الهوة تلتهمه! يا للهول إنها نار جهنم» [1] .
وإن صورة البناء المنهار هي صورة القلق وعدم الاستقرار، وصورة البناء الثابت المتماسك هي صورة الثبات والتماسك والاستقرار، وهما تتقابلان في اللوحة الفنية العجيبة التي يرسمها التعبير القرآني الفريد، وتتقابلان في الواقع البشري المتكرر في كل زمان «وهذا هو الإعجاز الذي يرسم الواقع النفسي بريشة الجمال الفني، في مثل هذا التناسق بمثل هذا اليسر في التعبير والتصوير على السواء» [2] .
(1) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1711.
(2) نفسه ج 3ص 1712.