فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 238

والشهوات الإنسانية، وهذا هو الذي قاد البشرية إلى التيه والضياع، أمّا المنهج الإسلامي فهو يختلف اختلافا كبيرا عن هذه الفلسفات والمناهج البشرية، لأنّه منهج إلهي بالدرجة الأولى، وهو لذلك مختلف عن المناهج البشرية الأخرى في مضمونه وطرق أدائه، يقول الفخر الرازي رحمه الله (606هـ) : «لقد اختبرت الطرق الكلامية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنّه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضة والمتناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفيّة» [1] .

وهذا الذي ذهب إليه الفخر الرازي بعد طول تأمل، وكثرة ممارسة هو حقيقة من حقائق القرآن الكريم، فهو كتاب لا يحفل بالنظر الفلسفي في حقائق الأشياء، ولا يعنى بالجدل اللفظي حول مفاهيمها، لأنّ غايته ليست تكوين القدرات العقلية، ولا تخريج الفلاسفة والمفكرين، إنّ هدفه هو تربية الإنسان، وتحسين سلوكه، وتقويم سلوك الأفراد داخل المجتمعات، وإقامة المجتمعات على أساس الخير والعدل، و «من هنا لا نجد في الشريعة الإسلامية تلك التعريفات المانعة للخير والشر، والحق والباطل، والحسن والقبيح، وغير ذلك من الصور التي عني الفلاسفة والأخلاقيون بتحليلها، والتعرّف على عناصرها وجمع الصفات المميزة لكل واحد منها» [2] .

إننا نجد في القرآن الكريم اهتماما كبيرا بالجانب العملي للقيم والأخلاق، واهتماما بثمرة السلوك الإنساني، إنه يعنى بما ينفع الإنسان في حياته، ويعنى بالأعمال الصالحة ويحضّ عليها، ويدعو إلا الأخلاق الكريمة ويجازي عليها بالخير وبالجنّة، إنه يسعى إلى بناء الإنسان على أسس التقوى والصلاح، وبناء المجتمع على أسس العدل والرحمة والأخوة.

(1) الفخر الرازي التفسير الكبير ج 1ص (م) .

(2) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 885.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت