فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 238

الخير [1] ولكنّ هذه الفلسفة تختلف مع النظرة القرآنية إلى الخير والشرّ اختلافا جوهريا، أما الفلسفة الحديثة فقد عنيت بهذه القضية كما أنّها اهتمت بالإنسان وسلوكه وأخلاقه، وقد انصبّ اهتمامها على الإنسان، وأصبح مركز الدائرة التي تدور حولها الفلسفة الحديثة وإذا كان لها نظر إلى المجتمع والروابط التي تربط الفرد بالجماعة فهو نظر جانبي، ومن هنا كان الحكم على الخير والشر في تقدير الفلسفة الحديثة قائما على أساس فردي بحت، بمعنى أن الفرد والفرد وحده هو الذي له أن يحكم على هذا الأمر بأنه خير أو شرّ، ثم إنه ليس هذا بالذي يمنع من أن يجيء غيره فينقض عليه حكمه، فيرى ما رآه غيره خيرا شرا، وما رآه هو عنده خير، وعلى هذا فهناك عند الفلسفة الحديثة خير وشر، ولكن لا ذاتية للخير والشر، بل هما اعتباريان، فالخير ما رآه الإنسان خيرا، والشرّ ما رآه شرا وإنه لا خير ولا شر في حقية الأمر، وفي هذا يقول الفيلسوف الأمريكي «وليم جيمس» : «إن الإنسان هو مصدر الخير والشر، والفضيلة والرذيلة إن الخير خير بالنسبة له، والشرّ شر بالقياس إليه، إن الإنسان هو الخالق الوحيد للقيم في ذلك العالم، وليس للأشياء قيمة خلقية إلا باعتباره هو» [2] .

وهذا الرأي هو خلاصة ما ذهبت إليه بعض الفلسفات الحديثة التي اهتمت بالقيم المادية، وبالمناهج التجريبي اهتماما كبيرا حتى طغت على كل المفاهيم، وهذا ما جعلها تنظر إلى الإنسان نظرة إكبار وإجلال وتجعله في الموضع الذي لا يستحق، فقد جعلت منه صانعا للقيم والأخلاق، وجعلته حاكما ومشرّعا يرى الأمور بمنظار العقل وحده فيحكم على الأشياء والحقائق ويضع الموازين، فيقول هذا خير وذاك شرّ، هذا حسن وذاك قبيح، وهذا ما أدى بالقيم والموازين إلى التناقض والاختلاف، وإلى سيطرة الأهواء البشرية،

(1) ينظر: عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 880.

(2) نفسه ج 3ص 884.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت