إن البشر جميعا يدركون بدوافع الفطرة معنى الخير والشرّ، ومع هذا كلّه فإن بعض الفلاسفة والمفكرين من ينكر وجودهما، ولا يعترف بأنّ في الحياة خيرا أو شرا، وبعضهم يرى بأن الخير والشر نقيضان لا يلتقيان أبدا ولذلك لا بدّ أن يكون لكلّ منهما إله خالص به كما هو الحال عند المثنوية، وإذا استعرضنا بعضا من هذه الآراء نجد أن من أقدم الفلسفات فلسفة الفرس التي تعرف «بالمثنوية» وهي نظرات لحكماء الفرس ترى بأنّ العالم محكوم بإلهين، ويتحكمان في مصيره، وهما إله الخير وإله الشرّ، وقد رمزوا لإله الخير بالنور «يزدان» ولإله الشرّ بالظلام «أهرمن» [1] .
وقد تطورت هذه الفلسفة العجيبة بمجيء «زرادشت» حيث «أنّه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات الله، ونزل بإله الشرّ إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى، وبشّر بالثواب وأنذر بالعقاب، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله واحد موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه» [2] .
فالخير عند «زرادشت» غالب دائم، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى [3]
وخلاصة رأيه أنّ النور هو الأصل، وأن وجوده وجود حقيقي، أما الظلمة فتبع له، كالظلّ بالنسبة للشخص، ولما كان الباري يرى أنّه موجود وليس بموجود فقد أبدع النور، وحصل الظلام تبعا لأن من ضرورة الوجود التضاد [4] .
وتتفق فلسفة «زرادشت» مع أحدث النظريات الفلسفية والأخلاقية التي تقول: إن الخير والشر لا يوجدان خالصين، والخير ممتزج بالشر، والشر معه
(1) نفسه ج 3ص 879.
(2) عباس محمود العقاد الله ص 93ط 3دار المعارف: مصر.
(3) نفسه ص 95.
(4) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 880.