فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 238

أن يقيم الإسلام لوجود الشرّ علّة أو عللا، إنه موجود وكفى «وحسبك من شرّ سماعه» والحزم كل الحزم في توقّيه ودفعه والخلاص منه [1] .

وقد علّل الجاحظ (255هـ) هذا الامتزاج بين الخير والشر في الحياة بالمصلحة الإنسانية قال: «اعلم أن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ، والضار بالنافع، والمكروه بالسّار، والضّعة بالرّفعة، والكثرة بالقلّة، ولو كان الشرّ صرفا لهلك الخلق، أو كان خيرا محضا لسقطت المحنة، وتعطلت أسباب الفكرة» [2] .

إنّ المقابلة بين الخير والشرّ تقتضيها المصلحة، ويقتضيها اختبار الله لقدرات البشر في حسن الاختيار لمنهج الله والخير الذي يحمله، أو سوء الاختيار لمناهج أخرى توقع في الشر وتؤدي إلى الهلاك، ومن هنا زاوج الله بين الأشياء، وأقام الصراع بين الحق والباطل، والخير والشرّ كل ذلك ليميّز الخبيث من الطيّب، ويجازي كلّ واحد حسب اختياره، والله سبحانه حين مزج الخير بالشرّ وقابل بينهما بيّن السّبل المؤدية إلى كليهما، ووضّح الطرق التي تفضي إلى كل منهج حتى لا يتيه البشر حين يختارون ويوازنون، ثمّ منح الإنسان من غرائز الفطرة التي تتحرك كلّما استدعاها الإنسان وضرب على أوتارها.

إن الخير والشرّ هما ميزان الحياة الذي يقدّر به الإنسان كلّ شيء يأخذه أو يدعه الخير في كفة والشرّ في الكفة الأخرى، هكذا تجري حياة الناس، وهكذا تجري تصرفاتهم، ويقع سلوكهم على حسب ما يشير إليه مؤشر الميزان، من رجحان إحدى الكفتين على الأخرى [3] .

(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 889.

(2) الجاحظ الحيوان ج 1ص 96.

(3) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 876.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت