فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 238

وكلمة «الحق» في الاستعمال القرآني هي الخير النافع بأشكاله كلّها فالله هو الحق قال تعالى: {ذََلِكَ بِأَنَّ اللََّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مََا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبََاطِلُ} [الحج: 62] ، والإيمان بالله خير، والفضيلة خير، والتقوى خير، وكل ما يراه الشرع الإلهي مناسبا للفطرة، وموافقة لمراد الله فهو خير، فمعنى الخير في القرآن أوسع كثيرا من معناه الأخلاقي المتداول بين أهل الفكر والفلسفة، أما الباطل فهو نقيض الخير، وهو الشر بأشكاله كلها ابتداء بالطاغوت والشيطان اللذين هما سببا الشر، وانتهاء بالرذيلة والفساد في الأرض [1] .

والقرآن الكريم لا يحفل بالنظر الفلسفي في حقائق الأشياء، ولا يعنى بالجدل اللفظي حول ماهية الخير والشر، لأن غاية القرآن ليست في إقامة جدل عقلي عقيم، وتخريج الفلاسفة والحكماء، وإنما رسالته قائمة على تربية النفس، وتصحيح التصوّر، وتقويم الخلق، وإقامة العدل والخير في المجتمع المبني على أساس المنهج الإلهي [2] ، كما أن رسالة القرآن هي رسالة إقناعية تأثيرية تريد أن تأخذ بيد الإنسان إلى الاعتراف والاقتناع بمنهج الله في كل شيء على وجه هذه الأرض، إنّها رسالة تهدف إلى مزج العقائد السليمة بالعقول والقلوب كي يسير الإنسان وفق معرفته لها بخطى ثابتة، وعلى منهج سليم.

لكنّ السؤال الذي قد يثار دائما هو: لماذا خلق الله الشرّ؟ ولماذا أقام الله هذه المقابلة المتواصلة بين الخير والشر في هذه الحياة؟ وجواب القرآن على ذلك هو للابتلاء والاختبار، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنََا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] ، هذا تعليل القرآن أما لماذا لم تمحض الحياة للخير فقط؟ فقد تجنّب الإسلام منذ قام إيقاظ هذه الفتنة فلم يطرق بابها من أية جهة، ولم يشر إليها من قريب أو بعيد، والحكمة في هذا ظاهرة لا جدوى من

(1) ينظر أحمد عز الدين البيانوني الحق والباطل ص 65.

(2) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 3ص 885884.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت