النبوية الشريفة، فالابتلاء والمصلحة والتقييم كل ذلك قائم على الصاع بين الخير والشر في الدنيا منذ ابتدائها وإلى نهايتها، ويستنتج ذلك من قوله تعالى:
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنََا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] ، وقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْحَقَّ وَالْبََاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَأَمََّا مََا يَنْفَعُ النََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْأَمْثََالَ} [الرعد: 17] ، ففي الآية الأولى ذكر الله سبحانه أن الحياة مدة يعتري فيها الخير والشر جميع الأحياء، وعلّل ذلك بالابتلاء والاختبار حتى تتبيّن وتتميّز الأشياء وعلى هذا الأساس بني نظام الحياة كله [1] .
أما الآية الثانية فهي تتحدث عن صورة الحق والباطل، والخير والشر في مسيرة الحياة، وقد مثّل الله سبحانه بطريقة التمثيل صورة الحق والباطل بمثل محسوس مشاهد «الماء ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلمّ في طريقه غثاء فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد نافش راب منتفخ، ولكنّه بعده غثاء، والماء من تحته سارب ساكن هادئ، ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة، كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص، فإنّ الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنّه بعد خبث يذهب ويبقى المعدن في نقاء، ذلك مثل الحق والباطل، في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو طافيا رابيا ولكنه بعد زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحقّ يظل هادئا ساكنا، وربّما يحسبه بعضهم أنه قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح ينفع الناس «كذلك يضرب الله الأمثال» [2] .
(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 17ص 64.
(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 4ص 2054.