هذه الآيات قائمة على طريقة المقابلة في العرض، وهي تعرض لنموذجين متقابلين من البشر، كل نموذج يمثل اتجاها عقديا تهدف الآيات إلى بيانه وتوضيحه، فالنموذج الأول يمثل المنافقين الذين أبرز صفاتهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي ونسيان الله، أما النموذج الثاني فيمثل المؤمنين الذين صفاتهم تناقض المنافقين، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وغاية هذا
الوصف المتقابل كشف طبيعة النفاق، وجعله من الأسباب المبعدة عن طريق الإيمان، مع بيان الوحدانية وخصائصها مثل الإيمان بالله وما يتبعه من مقتضيات حدّدها القرآن الكريم.
يقول محمد رشيد رضا في تفسيره: «إنّ نكتة الفرق بين المؤمنين والمنافقين في الوصف المتقابل هنا أن المنافقين لا ولاية بينهم بأخوة تبلغ فضيلة الإيثار، ولا تناصر يبلغ الإقدام على القتال، لأنّ النفاق سلوك وذبذبة من لوازمها الجبن والبخل، وهما الخلقان المانعان من التناصر ببذل النفس والمال، بل قصاراه التعاون بالكلام وما لا يشق من الأعمال، وإنّما تكون ولاية التناصر بالقتال لأصحاب العقائد الثابتة، والملّة الراسخة سواء أكانت حقا أو باطلة.
فهذا ما يتعلق بالمقابلة بين المؤمنين والمنافقين في علاقة بعضهم ببعض، وخلاصته أن المنافقين يشبه بعضهم بعضا في شكّهم وارتيابهم ونفاقهم وآثارهم من قول أو عمل، وإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض في الولاية العامة من أخوة ومودة وتعاون وتراحم حتى شبّه النبي صلى الله عليه وسلّم جماعتهم بالجسد الواحد، والبنيان يشد بعضه بعضا، وولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل والملة والوطن، وإعلاء كلمة الله عزّ وجلّ، وفي آثار ذلك من القول والعمل المضاد لما عليه المنافقون» [1] .
وهذه الآيات التي اختارت طريقة المقابلة في العرض هدفت إلى كشف النفاق، وتحديد الوحدانية الخالصة، وعرض الصورة وما يقابلها من شأنه أن يبرز المعنى، ويقوي النظم، ويساهم في البيان والتوصيل.
وقال تعالى: {لََا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجََاهِدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللََّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمََا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتََابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 4544] .
(1) تفسير المنار ج 10ص 542541.