هذه الآية تقابل بين الوحدانية التي عبّر عنها في السياق بالنور، وبين شرك أهل الكتاب الذي عبّر عنه بالكفر، وبالإرادة والسعي المستمر لإطفاء نور الوحدانية، وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن اليهود والنصارى، فهي إذن خاصة بأهل الكتاب وبأوصافهم ونواياهم وبحقيقة الشرك الذي هم عليه، والذي يناقض التوحيد مناقضة تامة، قال محمد رشيد رضا: «يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على البشر بهداية دين الحق الذي أوحاه إلى موسى وعيسى وغيرهما من رسله، ثم أتمّه وأكمله ببعثة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بالطعن في الإسلام، والصد عنه بالباطل، كما فعلوا من قبل بمثل تلك الأقوال في عزيز والمسيح، التي لم تتجاوز أفواههم إلى معنى صحيح، وبما ابتدعه الرؤساء لهم من التشريع، حتى صار التوحيد الذي أمروا به عندهم شركا والعبد المربوب ربا، والعابد المألوه إلها، على تفاوت بين فرقهم في ذلك» [1] .
وجملة المعنى في هذا التركيب القائم على المقابلة أن اليهود والنصارى يريدون أن يطفئوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده، وإنما قطبه الذي تدور عليه جميع عباداته توحيد الربوبية والألوهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله تعالى لا يريد ذلك، لا يريد في هذا الشأن إلا أن يتم هذا النور [2] .
ومن كمال بلاغة هذا التعبير «أنه صالح لتفكيك التشبيه بأن يشبّه الإسلام وحده بالنور، ويشبّه محاولو إبطاله بمريدي إطفاء النور، ويشبّه الإرجاف والتكذيب بالنفخ، ومن الرشاقة أن آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه» [3] .
فالغاية من هذه المقابلة بين الوحدانية والشرك، إثبات التوحيد، وفضح الشرك والمشركين، وبيان الدعائم الواهية التي يقوم عليها، وبخاصة شرك أهل الكتاب الموصوف بالبعد عن المنهج الإلهي الذي ارتضاه الله للعباد.
(1) تفسير المنار ج 10ص 383.
(2) نفسه ج 10ص 386.
(3) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 10ص 171.