فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 238

وقد بينت الآيات حقيقة الشرك الذي وقع فيه أهل الكتاب، وهو شرك بالأقوال والأفعال، فأمّا شركهم في الأقوال فقول اليهود عزيز ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وأما شركهم بالأفعال فاتخاذهم الأحبار والرهبان مصادر للتشريع، والتحليل والتحريم.

وتهدف الآيات من هذا البيان تعرية الشرك وتوضيح أسبابه، وفي مقابل ذلك تحدد خصائص الوحدانية كما أرادها التصور الإسلامي الصحيح، وفي هذه الآيات بعض القيم المستفادة من السياق، فمن ذلك قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ} ، واتخاذ الأحبار والقساوسة أربابا لا يعني العبادة المحضة التي تجعل منهم آلهة وأصناما بل المراد كما ذكر الفخر الرازي (606هـ) أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم [1] ، وهذا ما يسمى بحق التشريع أو الحكم الذي هو أخصّ خصائص الوحدانية، فالتشريع هو حق لله وحده، أمّا إذا تعدى ذلك وأصبح في أيدي البشر فهذا هو الذي يعني اتخاذ الأرباب لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية، ولكن في صورة ادّعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة [2] .

وقد جاء التعبير بطريقة المقابلة بين رؤساء الدين الذين اتخذهم أهل الكتاب أربابا وبين الله سبحانه وتعالى المستحق للعبادة والألوهية، وهذه المقابلة تهدف إلى بطلان الباطل الذي هم عليه بعد هذا الصنيع، وبيان أن التشريع والحكم حقان لله وحده قال تعالى: {وَمََا أُمِرُوا إِلََّا لِيَعْبُدُوا إِلََهًا وََاحِدًا لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .

وقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَيَأْبَى اللََّهُ إِلََّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكََافِرُونَ} [التوبة: 32] .

(1) تفسير الفخر الرازي ج 16ص 37.

(2) سيد قطب معالم في الطريق ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت