والمقابلة الثانية التي اهتمت سورة التوبة بعرضها بشكل بارز هي الوحدانية وشرك أهل الكتاب، وقد ميزت السورة في عرضها لموضوعاتها بين الشرك العام، وهو الشرك الذي كان ملازما لقريش وبعض القبائل العربية التي كانت تعبد الأصنام وتجعلها أندادا لله، وبين شرك أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين اتخذوا من بعض أنبيائهم وأحبارهم أربابا من دون الله، فشرك أهل الكتاب هو شرك خاص متميّز، ولذلك فصلت السورة الكريمة الحديث عنه، وقابلت بينه وبين الوحدانية الخالصة لله تعالى، وسنعرض الآن لبعض الآيات التي فيها مقابلة بين الوحدانية وشرك أهل الكتاب لبيان القيم المختلفة التي تفيدها هذه الآيات مع بيان الغاية المعنوية والبلاغية من عرض هذه المقابلات.
قال تعالى: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللََّهِ وَقََالَتِ النَّصََارى ََ الْمَسِيحُ ابْنُ اللََّهِ ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ يُضََاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قََاتَلَهُمُ اللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ اللََّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمََا أُمِرُوا إِلََّا لِيَعْبُدُوا إِلََهًا وََاحِدًا لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 3130] .
الحديث في هذه الآيات هو عن شرك أهل الكتاب في مقابل الوحدانية التي أمرهم الله بها فما رعوها حقّ رعايتها، والآيات تتحدث حديثا مباشرا عن صور الشرك الذي ابتدعه اليهود والنصارى وتعدّوا به على خصائص الوحدانية، وشابهوا به مشركي العرب.
فالآيات تبين انحراف اليهود والنصارى في تصورهم عن الله، فقد لحقوا بأهل الشرك، وإن اختلفت طرق الشرك، فلا فرق بين من يعبد الصنم ومن يعبد المسيح وغيره [1] .
(1) أبو حيان الأندلسي تفسير النهر الماد من البحر المحيط تقديم وضبط بوران الضناوي وصاحبه ط دار الجنان 1987م ج 1ص 963.