والاستفهام في قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقََايَةَ الْحََاجِّ} للإنكار المتضمن لمعنى النهي، أي: لا تفعلوا ذلك فإنه خطأ ظاهر كما بيّنه ما بعده، ونكتة هذا التعبير بيان أن هذا الفعل ليس كالفعل الآخر، وأن الفاعل لكل منهما ليس كالآخر بل بينهما من التفاوت والدرجات [1] .
ومن القيم الدينية التي يمكن أن تستفاد من المقابلة بين الوحدانية والشرك هي نفي التسوية بين المشركين والمؤمنين، «أي لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني في صفته ولا في عمله في حكم الله ولا في مثوبته وجزائه عنده في الدنيا ولا في الآخرة فضلا عن أن يفضله كما توهم بعض المسلمين وكما يزعم كبراء مشركي قريش كنوا يتبجحون بخدمة البيت ويستكبرون على الناس به» [2] .
والقيمة الدينية الأخرى التي تستفاد من هذه المقابلة بين المؤمنين المجاهدين وغيرهم من القاعدين لخدمة المساجد وإعمار البيوت وخدمة الحجيج أن ميزان الله هو الميزان، وأن تقديره هو التقدير، فالله يهتم بإخلاص العمل لوجهه الكريم، وأن يكون صوابا موافقا للشرع، وهؤلاء القاعدون لم يكونوا يملكون من نوايا العبادة الخالصة لله شيئا، ولذلك جاءت الموازنة بينهم وبين المؤمنين المجاهدين لتجعلهم في مرتبة أدنى من المرتبة التي ظن الناس أنهم بها هم الفائزون، والقاعدة عند الله في استحقاق عمارة بيوت الله هي إخلاص العمل، فلا يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية، وعقيدتهم ليست خالصة لله، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد، فلا يجوز أن يسوّى هؤلاء لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته، وقد قال الله تعالى: {لََا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللََّهِ} ، فالمقابلة بين الفريقين قد أفرزت جانب الحق وميّزته عن الباطل، وجعلت المفاضلة على أساس صحة العمل والإخلاص فيه لوجه الله وحده، وهذه الآية في صورتها العامة، تميّز بين الوحدانية الحقة والشرك والضلال.
(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 218.
(2) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 218.