فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 238

فمن خلال هذه الآيات يتبيّن أن طبيعة الوحدانية تناقض طبيعة الشرك، ولذلك حدد القرآن أسلوبا في التعامل مع الشرك وأتباعه، فكان منع المشركين من دخول المساجد، وهو هنا مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله تعالى: {بَرََاءَةٌ مِنَ اللََّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عََاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] ، والتعامل مع المشركين جاء معلّلا بكفرهم وشركهم بوحدانية الله، والمتّصف بهذه الصفة محروم من دخول المساجد وعمارتها، لأن مساجد الله هي حق لله وحده، ثم أقيمت لعبادة الله لا لغيره، والكعبة هي بيت الله الحرام القائم على التوحيد منذ أول يوم بني

فيه، ولذلك كله استحق المشركون درجة الحرمان من عمارة هذا المسجد، وشهادتهم بالكفر أيضا تستفاد من قولهم بالطواف: لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقولهم إذا سئلوا عن دينهم: نعبد اللات والعزى، أو تكذيبهم الرسول [1] .

أما النموذج الذي يستحق عمارة مساجد الله فهو على النقيض من الصنف الأول في كل شيء، إنه صنف أول صفاته الإيمان بالله تعالى ثم العمل بمقتضيات هذا الإيمان كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقصر الخشية لله وحده، وهذا النموذج هو الممثل الحقيقي للوحدانية التي يريدها القرآن الكريم.

والغاية من هذه المقابلة بين الوحدانية والشرك المتمثلين في النماذج البشرية هي بيان صفات المشركين الكافرين، وفي مقابل ذلك بيان صفات المؤمنين الموحّدين، وبيان الصنف المستحق للهداية والرحمة، والصنف المستحق للخزي والعذاب.

وقال تعالى أيضا: {أَجَعَلْتُمْ سِقََايَةَ الْحََاجِّ وَعِمََارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجََاهَدَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ لََا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللََّهِ وَاللََّهُ لََا يَهْدِي الْقَوْمَ الظََّالِمِينَ}

[التوبة: 19] .

هذه الآية كما هو ملاحظ تعتمد على طريقة المقابلة في العرض، فقد قابلت بين نموذجين من البشر، كل نموذج يشمل اتجاها عقديا خاصا به، فالنموذج الأول: يتمثل في المشركين، أما النموذج الثاني من البشر: فمتمثل في المؤمنين، وقد قابلت الآية بين المؤمنين والمشركين للفصل والتفريق بين التوحيد والشرك، قال الزمخشري (538هـ) : «المعنى إنكار أن يشبّه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر» [2] .

(1) أبو حيان الأندلسي البحر المحيط ج 5ص 386.

(2) الكشاف ج 2ص 256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت