أولا: إن الله هو وليّ المؤمنين، وإن الموالاة يجب أن تكون للمؤمنين وحدهم، فهم الذين علموا حقيقة التوحيد، وعملوا بمقتضياتها التي تعني البراءة التامة من الشرك وإخلاص التوحيد والعبادة لله وحده.
ثانيا: إن الله بريء من المشركين، وهذه البراءة التي تقابل الموالاة مبنية على أساس أنّ الشرك لا يجتمع مع الإيمان، لأنه قائم على دعائم واهية بعيدة كل البعد عن معنى التوحيد الخالص الذي جاءت به الرسل، والذي جاء تفصيله في آي القرآن العظيم.
وقال تعالى: {مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اللََّهِ شََاهِدِينَ عَلى ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ وَفِي النََّارِ هُمْ خََالِدُونَ (17) إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقََامَ الصَّلََاةَ وَآتَى الزَّكََاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللََّهَ فَعَسى ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 1817] .
في هذه الآيات تعبير قائم على التقابل من الوحدانية والشرك في إحدى صورها، وقد اختار التعبير النماذج البشرية المتقابلة للدلالة على خصائصهما، لأن طبيعة التوحيد متجسدة في أتباعه الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. ويعمرون المساجد، وطبيعة الشرك متجسدة أيضا في أتباعه الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر، ويستحقون على ذلك المنع من دخول مساجد الله.
فمن خلال هذه الآيات يتبيّن أن طبيعة الوحدانية تناقض طبيعة الشرك، ولذلك حدد القرآن أسلوبا في التعامل مع الشرك وأتباعه، فكان منع المشركين من دخول المساجد، وهو هنا مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله تعالى: {بَرََاءَةٌ مِنَ اللََّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عََاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] ، والتعامل مع المشركين جاء معلّلا بكفرهم وشركهم بوحدانية الله، والمتّصف بهذه الصفة محروم من دخول المساجد وعمارتها، لأن مساجد الله هي حق لله وحده، ثم أقيمت لعبادة الله لا لغيره، والكعبة هي بيت الله الحرام القائم على التوحيد منذ أول يوم بني
فيه، ولذلك كله استحق المشركون درجة الحرمان من عمارة هذا المسجد، وشهادتهم بالكفر أيضا تستفاد من قولهم بالطواف: لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقولهم إذا سئلوا عن دينهم: نعبد اللات والعزى، أو تكذيبهم الرسول (1) .