أما الموضوعات التي تناولتها هذه السورة فكثيرة ومتنوعة، ولكنها تجتمع كلها تحت محور واحد هو تمييز الحق من الباطل، وأغلب موضوعات السورة تتصل بأصول الدين وفروعه، والسنن الإلهية والتشريع، والحديث عن أحكام القتال، وما يتعلق به من الاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية، وأحكام المعاهدات والمواثيق، وأحكام الولاية في الحرب، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار، والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب [1] .
والسورة الكريمة مع كثرة موضوعاتها تهدف إلى تحقيق غرضين أساسيين كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين في العصر الحديث [2] ، أولهما: تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام، وذلك بوضع الأحكام النهائية بين الأمة الإسلامية وغيرها من ملل الشرك والكفر. ثانيا: تصفية المجتمع الإسلامي نفسه بإظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي صلى الله عليه وسلّم حين استنفروا إلى غزو الروم، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته، وواقع كل طائفة فيه.
وسورة «التوبة» كما يظهر لنا قائمة على قضية مركزية هي تمييز الخبيث من الطيب، أو الحق من الباطل، سواء أكان ذلك في علاقة المجتمع الإسلامي مع غيره من مجتمعات الكفر، أم علاقة الأفراد مع بعضهم داخل المجتمع الإسلامي نفسه، والصراع بين الحق والباطل هو من المقابلات الكبرى التي تدور حولها كلّ سور القرآن الكريم، وإنما كان التركيز عليها في سورة «التوبة» باعتبارها آخر ما نزل من القرآن الكريم، فقد نزلت في ظروف صعبة، وكان لا بد أن تشمل على أحكام نهائية تحدد الطريق للمسلمين، وتبيّن الوضع الصحيح لجميع العلاقات في المستقبل، وتوضح الخطر الداخلي والخارجي الذي يتربص بالحق في كل وقت وحين.
(1) نفسه ج 10ص 147.
(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1564.