قفل من غزوة «تبوك» في رمضان سنة تسع للهجرة عقد العزم على أن يحجّ في شهر ذي الحجة من عامه، ولكنه كره عن اجتهاد أو بوحي من الله مخالطة المشركين في الحج معه، وسماع تلبيتهم التي تتضمن الإشراك بالله، أي قولهم في التلبية: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» ، وطوافهم عراة، وكان بينه وبين المشركين عهد لم يزل عاملا لم ينقض، فأمسك عن الحجّ تلك السنة، وأمر أبا بكر الصديق على أن يحج بالمسلمين، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأكثر الأقوال على أن سورة «براءة» نزلت قبل خروج أبي بكر من المدينة، فكان ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلّم صادرا عن وحي لقوله تعالى في هذه السورة: {مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اللََّهِ شََاهِدِينَ عَلى ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ وَفِي النََّارِ هُمْ خََالِدُونَ (17) إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقََامَ الصَّلََاةَ وَآتَى الزَّكََاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللََّهَ فَعَسى ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) [التوبة: 1817] ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب بعد عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة بسبب دم كان لبني بكر عند خزاعة قبل البعثة بمدة، واقتتلوا فكان ذلك نقضا للصلح، واستصرخت خزاعة النبي صلى الله عليه وسلّم، فوعدهم بالنصر، وتجهّز رسول الله صلى الله عليه وسلّم لفتح مكة ثم حنين ثم الطائف، وحجّ بالمسلمين تلك السنة سنة ثمان «عتّاب بن أسيد» ، ثم كانت غزوة «تبوك» في رجب سنة تسع، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم من تبوك أمّر أبا بكر الصديق على الحجّ، وبعث معه بأربعين آية من صدر سورة «براءة» ليقرأها على الناس، ثم أردفه بعلي بن أبي طالب ليقرأ على الناس ذلك [1] .
(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 155.