وقد عددت السورة الكريمة في طرق أدائها، ووسائل عرضها للموضوعات، كل ذلك لتحقق غايتها من الدعوة والإقناع، والتأثير والإمتاع، وكان حظ أسلوب المقابلة من ذلك كثيرا، وهو ما سيتبين في الدراسة التطبيقية، وسنبدأ الحديث أولا عما يتعلق بالمحور الأول من المقابلات وهو الوحدانية وتعدد الآلهة، ونتناول القضايا التي ترتبط بهذا الموضوع، وهي الوحدانية والشرك العام، والوحدانية وشرك أهل الكتاب، والوحدانية والنفاق، وهذه المقابلات الثلاثة يأتي التركيز عليها في السورة بشكل واضح وبارز وذلك لأهميتها في تحديد العلاقة النهائية بين المؤمنين الصادقين، وغيرهم من أصناف البشر الذين لازمهم الكفر بأشكاله المختلفة.
تعتمد سورة «التوبة» على أسلوب «التقابل» في عرض القضايا المهمة التي تتصل بالإنسان وعلاقته مع خالقه، وعلاقته مع غيره من بني البشر، وهذه العلاقات هي التي ستحدد طريق الإنسان في هذه الأرض، وهي التي ستمنحه حرية الاختيار في مجال العقيدة والسلوك والحياة، واختيار أسلوب التقابل في التعبير عن هذه العلاقات أمر يقتضيه الموضوع نفسه القائم على الصراع بين الأشياء المتقابلة، وبخاصة الصراع بين الخير والشر بأشكاله المختلفة، وأمر تقتضيه طريقة العرض المناسبة التي تلائم طبيعة هذه الموضوعات، ومن هنا كان اللجوء إلى المقابلة لعرض قضايا السورة المهمة تحقيقا لغايات التوجيه والإقناع، والتربية والإمتاع، وغدت هذه الطريقة في العرض إحدى السمات البارزة في التعبير، وإحدى الوسائل التي يتم الاعتماد عليها في مواضع كثيرة لما لها من قدرة على عرض الصور في أشكالها المتقابلة، والنماذج البشرية في صورها المتباينة، والقضايا المختلفة التي يأتي فيها التفريق بين ما يراه القرآن الكريم حقا وما يراه باطلا.
والوحدانية التي ذكرنا أن القرآن الكريم كله قائم عليها هي القضية الأساسية التي يلاحظ أن السورة الكريمة مهتمة بها، لأن الحديث عن الوحدانية
يعني الفصل التام بين الإله المستحق للعبادة والخضوع، وبين الآلهة الأخرى التي اتخذها البشر أندادا وطواغيت، وقد ذكر في السابق أن سورة التوبة هي آخر ما نزل من القرآن فكان لا بدّ أن تأتي فيها كلمة الفصل، والخطاب النهائي في تحديد مقومات هذه القضية، حتى يتبيّن للناس حقيقة التوحيد ومقتضياته ومقوماته، ولذلك جاء حديث السورة تاما ومفصلا في تحديد قضية الوحدانية وتحديد العلاقات التي تترتب عليها بين أهل التوحيد وغيرهم من الملل والشعوب.